صحا المجتمع الجازاني صباح الأربعاء الماضي 3/4/1434هـ على كارثة من نوع خاص، كارثة إنسانية هزت المشاعر، وأبكت القلوب، وسالت على إثرها المدامع، وأججت مواقع التواصل الاجتماعي بالغضب الشديد، واستنفرت كل الأقلام لتدافع عن حق رهام الحكمي، تلك الشابة التي لم تتجاوز سن الثالثة عشرة من العمر، حين تعرضت لسطو صحي مدجج بكل أسلحة الدمار الشامل، شنته عصابة طبية، لم تراع الله في خلقه، ولم تراع حقوق المواطن في التطبيب، والإشراف عليه بأمانة واقتدار، بل هانت عليها أرواح الناس، واستهترت بكل القيم الطبية، إنها عصابة تستهتر بالإنسانية جمعاء.
كارثة تقشعر لها الأبدان، وتشمئز منها النفوس، وتخجل من ذكرها الألسن، تحركت لأجلها كل الجمعيات الحقوقية الرسمية والأهلية، واستنفر من أجلها كل المسؤولين بدءا بأمير المنطقة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن ناصر، الذي أمر بالتحقيق الفوري في القضية، ومعرفة ملابساتها، ومرورا بوزير الصحة، ومدير عام الشؤون الصحية، الذي باشر مهمات عمله من أجل الوقوف على آخر المستجدات في الحادث، وانتهاء بمدير مستشفى جازان العام وموظفي المختبر في ذات المستشفى.
هذا الاستنفار يتم عند كل خطأ، لكن حقيقة الأمر ليس هذا ما نريده.. فالقضية أكبر من خطأ طبي، وأكبر من بيان إعلامي، وأكبر من التحقيقات، وأكبر من كل ما يمكن أن يقال عنها، فالقضية مربكة جدا، وموجعة جدا، ومؤلمة جدا، فتاة في ربيع العمر تعرضت لحادث مأساوي يشتعل له الرأس شيبا، لم تتجاوز الربيع الثالث عشر مازالت تستعد للدخول في الحياة، بكل أبعادها ومعطياتها، مازالت تنتظر عمرا مشرقا بالآمال والطموحات، لكن يدا آثمة، امتدت إليها تحمل في كفها الموت فأصابتها في مقتل، وأنهت كل الطموحات والآمال حين أشرعت لها بوابة الموت، بخطأ جسيم لايمكن تلافيه كما يتلافون الأخطاء الطبية الأخرى التي تتكرر في مستشفياتنا، هذه المرة لم يترك الطبيب مقصا ولا قطعة شاش، بل ترك الموت ينهش في جسد (رهام) منذ أن غرزت إبرة الدم الملوث في جسدها الغض وسيستمر ينهش فيها حتى النهاية.
لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي ولا مكممي الأفواه، لابد أن نقف موقفا مشرفا تجاه أرواح الناس التي يتساهل فيها المتساهلون ويتلاعب بها المتلاعبون، هؤلاء الذين لايوجد لديهم وازع ديني ولا أعراف اجتماعية، ولا قيم أخلاقية، إنهم يعملون بكل وقاحة واستهتار وعدم إخلاص، وللأسف يأخذون مقابلا ماديا على أعمالهم التي أقل ما يقال عنها أنها أعمال مدفوعة الأجر، لعصابات مستهترة.
يجب أن نقف موقفا مشرفا تجاه هذه القضية وعدم السماح لأي مسؤول بالتهرب من واجباته تجاه هذا الخطأ الفادح، فليس من المعقول أن نكتفي بتصريح من مدير عام الشؤون الصحية أو نرضى ببيان رسمي صادر عن نفس المديرية، كما فعلوا مساء يوم الحادثة، ولن نسمح لهم أن يبحثوا عن كبش فداء يتحمل هذه القضية، كما ورد في نص البيان «أن ما جرى من نقل دم من متبرع مصاب بفيروس (HIV) لمريضة تم بخطأ فردي من أحد الفنيين العاملين بالمستشفى» والله إنها كارثة عظيمة إذا سلمنا بهذا الوضع، وتركنا الحبل على الغارب، وكارثة أعظم إذا تم قفل محضر التحقيق وفصل الموظف، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
بكل تأكيد هذا الفني يتحمل خطأه لا محالة، ولن نسامحه على إهماله، ولن نرضى عن بقية الفريق الطبي مهما كانت المبررات التي يبرر لهم بها، فأين ضميرهم؟ لماذا لم يكن صاحيا ليتحروا الدقة أثناء اختبارهم عينة الدم في المختبر قبل غرزها في جسد رهام، هذا إن كانوا فعلوا واجتهدوا واختبروا العينة، لكن الكارثة أنهم أخذوها من البنك بلا أدنى تفكير في محتوى هذا الكيس، وهذا يقودنا إلى سؤال مهم جدا، هل ما حصل هو الخطأ الوحيد في هذه القضية؟ وهل هذا الفني هو المخطئ الوحيد فيها؟ فمنذ متى وهذا الكيس مملوء بالدم الملوث في المختبر؟ ومن الذي سحب هذه الكمية الملوثة من المتبرع المصاب بمرض نقص المناعة؟ وكيف لم يختبرها الفنيون قبل وضعها في بنك الدم؟ وكيف تم سحب العينة قبل أن يختبر دم المتبرع؟ أسئلة كثيرة تجرنا إلى تورط عدد غير قليل في هذه الكارثة.
لهذا وذاك، لن يفيد رهام كل القرارات التي ستصدر ضد المتسببين في مصيبتها، ولن يفيد أهلها التعويض المادي أو المعنوي، وكل ما يمكن من حلول هي حلول بائسة أمام الروح الإنسانية التي فقدت كل معاني الحياة بعد أن عرفت بوضعها الصحي.
يا سادة لايكفينا استقالة وزير الصحة أو إقالة مدير عام الشؤون الصحية ولايكفي فصل كل من يثبت تورطه في هذا الفعل الإجرامي القاتل، بل نتمنى أن يتحلى المسؤولون بالشجاعة الأدبية الكافية، ويقدمون درسا قويا لكل من يتلاعب بأرواح الناس، فلا حصانة لمن يخطئ في حق الإنسانية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤٤) صفحة (١٩) بتاريخ (٢٠-٠٢-٢٠١٣)