في مقال سابق قلت إن جامعة الباحة تحمل على عاتقها عبئاً كبيراً من أجل خدمة المجتمع المحيط، بوصفها منارة علمية وتربوية وثقافية، واستبشر أهالي المنطقة بافتتاحها، وهلّت عناقيد الفرح، لاعتبارات كثيرة، منها تخفيف وطأة الترحال لكثير من طلابنا وطالباتنا إلى المدن البعيدة وتجشم صعاب السفر ومتاعب الغربة بإتاحة الفرصة لهم لمواصلة دراساتهم في مكان قريب منهم، ولم تأتِ الجامعة لهذا الغرض فحسب، بل لأهداف أخرى مهمة أبرزها تحقيق تعليم جامعي عالي المستوى بمختلف تخصصاته، وكذلك تطوير مستوى الطلاب العلمي والثقافي والمعرفي والتدريبي من أجل خدمة برامج التنمية، نهوضاً بالمجتمع في جميع جوانبه الحياتية، ومضى على تأسيس الجامعة قرابة ست سنوات، حيث قطعت شوطاً لا بأس به، إلا أن طموحات الأهالي أكثر، وتطلعات المسؤولين في الدولة أوسع.
وكانت جامعة الباحة حلماً وردياً في وقت سابق، وأصبحت واقعاً ملموساً، مما يدعونا إلى طرح عدة تساؤلات، هل لجامعتنا القدرة أن تُصبح علامة مميزة في المحيط المحلي؟ سؤال كهذا يضع المسؤولين في الجامعة أمام مهمة تاريخية، ومسؤولية اجتماعية، ووثيقة أخلاقية، لأن الجامعات سواء كانت في الداخل أو الخارج تخضع لمعايير التصنيف، وهنا تتكشف المستويات، وتُخلع الأقنعة، ولا يتبقى إلا المتميز في إنتاجه، المبدع في عمله.
ومن أكثر المحكات التي يقف عندها التصنيف بين الجامعات البحث العلمي، على اعتبار أن الجامعة هي المحضن الأساس لهذه المهمة العظيمة لوجود الأكاديميين المتخصصين في كل المجالات، وهنا يحدث التفاوت بين جامعة وأخرى من خلال التباين في استثمار الطاقات والقدرات والإمكانات، لذا أقترح على جامعتنا الموقرة المسارعة في تأسيس مركز أبحاث، بحيث يتولى عملية التخطيط والتنظيم والإنتاج المتكئ على رؤية علمية، لأن الأعمال الفردية أعمال غير منجزة مهما كانت جودتها.. فضلاً عن كون المركز يمكن أن يضع أولويات في مجال البحث العلمي بحسب ما يُسهم في النهوض بالتعليم وخدمة المنطقة ومعالجة المشكلات التي تعاني منها، وأظن أن الجامعة هي المعنية بالدرجة الأولى لطرح هذه المشكلات وإخضاعها للبحث العلمي وصولاً إلى توصيات وحلول مناسبة، ومن بين المشكلات التي تعاني منها منطقة الباحة شح المياه، والسبب في ذلك اعتمادها على الأمطار المتذبذبة من عام لآخر، بطرح التساؤلات التالية: هل يمكن الاستفادة من الضباب باستحلابه كما هو موجود في تشيلي في أمريكا الجنوبية؟ إلى أي مدى يمكن أن تنجح عملية الأمطار الصناعية؟ ما المواقع المُثلى لحبس مياه الأمطار؟ ما الحلول الجيدة لمشكلة تلوث مياه الآبار وغيرها من المشكلات المتعلقة بالماء باعتباره أهم مصادر الحياة، وسبباً في الاستقرار والازدهار؟
ومن الجوانب التي أراها مهمة بحث مشكلة تيبّس أشجار العرعر، مما يُنبئ عن خطورة كبيرة بشأن هذه الأشجار التي تمثل الوجه الأخضر لجبال المنطقة، والمحافظة على هذه الثروة الشجرية تزيد من أهمية السياحة في الباحة، وأظن أن فريقاً أجنبياً جاء لبحث مسبباتها، وذلك قبل وجود الجامعة، وأعتقد أن الجامعة هي المعنية بهذا الأمر، وصولاً إلى معرفة الأسباب وإيجاد الحلول. وهناك أمراض متوطنة في المنطقة كاللشمانيا والبلهاريسيا تحتاج إلى حلول واجتثاث، والمشاركة في وضع رؤية لتطوير السياحة في المنطقة، خصوصاً وأن هذه الوظيفة برزت بعد تراجع الوظيفة الزراعية التي كانت سبباً في استقرار السكان منذ آلاف السنين، هناك عشرات المشكلات البيئية والاجتماعية التي تحتاج إلى دراسة. أعتقد أن تخصيص مبلغ خمسة ملايين لجامعة ناهضة لموضوع كهذا -أي موضوع البحث العلمي- قليل جداً، مع وفرة الميزانية التي قاربت المليار، الجامعة تحتاج إلى تأسيس مركز للأبحاث خدمة للجامعة ذاتها وللمجتمع المحيط، حتى تُحلق في فضاء الإبداع، وتكون جامعة الباحة علامة مميزة من بين جامعاتنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤٤) صفحة (١٨) بتاريخ (٢٠-٠٢-٢٠١٣)