مع استقالة رئيس الحكومة، حمادي الجبالي، تدخل تونس مرحلةً حرجةً من عمر نظامها الجديد؛ فالاستقطابُ السياسيُّ والحزبيُّ أدخلَ البلادَ في لحظة أقربَ إلى الاستعصاء السياسي.
ويبدو أنَّ الغائب عن حسابات القوى السياسية التونسية هو الوطن، وأنَّ المصالح الحزبيَّة والشخصيَّة طغت على زعماء البلاد الجُدُد.
المشكلة الآن في تونس أنَّ حركة النهضة التي تتمتَّع بأغلبية برلمانية أصبحت منقسمةً على ذاتها بعد تخلي الحركة وزعيمها عن رئيس الحكومة، وإصرارها على الاستئثار بالحكم، حتى في الفترة المتبقية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.
في حين تُصرُّ قوى المعارضة، التي باتت قويةً ويمكن أن تهدِّدَ مستقبل النهضة السياسي، على مواجهة هذا الاستئثار، ومحاولة حركة النهضة السيطرة على مفاصل الدولة وتهيئة المناخ لكسب جولة جديدة من الانتخابات، وتعميق السيطرة والاستمرار بها، وإقصاء خصومها عبر دستور يضمن استمرارها، رغم انتقادات عديد من الأحزاب التونسية والقوى السياسية والمنظمات الحقوقية الدولية لهذا الدستور.
ما يجري في تونس يشبه إلى حد كبير ما يجري في مصر مع حكومة مرسي والإخوان المسلمين، الذين يقول خصومهم إنَّهم وصلوا إلى السلطة في ظل ظروف خاصَّة، ويريدون الاحتفاظ بها من خلال دستور مفصَّل على قياسهم، رغم الرفض الشعبي في كلا البلدين لاستمرار حركات الإسلام السياسي في سُدَّة السلطة.
تعيشُ تونسُ الآنَ في ظل ظروف اقتصادية خطرة، واحتمالات انهيار اقتصادي، والدولة نفسها أقرت أنَّها لم تعد تستطيع دفع رواتب موظفيها، في الوقت الذي يقول البنك الدولي إنَّه لن يقدم أيَّ قروضٍ طالما لا يوجد استقرار.
رغم ذلك؛ يصرُّ زعماء البلاد الجُدُد على التمسُّك بمصالح أنانيَّة حزبيَّة وسياسيَّة وشخصيَّة دون النظر إلى مصلحة الوطن وأبنائه، الذين قدَّموا التضحيات لأجل التغيير، وثاروا من أجل الحصول على حقوق تُعَدُّ في دول أخرى تحصيل حاصل، ليبقى المشهد في تونس غائماً وغامضاً، طالما أنَّ الزعماء الجدد لا يُعطونَ الأولويَّةَ للوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٤٥) صفحة (١٧) بتاريخ (٢١-٠٢-٢٠١٣)