من دون مقدمات، انتقل الحراك الجماهيري والشعبي الفلسطيني من قطاع غزة إلى الضفة الغربية في فلسطين، إثر استشهاد الشاب عرفات جرادات بسبب التعذيب الذي درجت على ممارسته بشكل ممنهج سلطات الاحتلال الصهيوني ضد الأسرى الفلسطينيين، لتؤكد أنها دولة فوق القانون الدولي، وذلك باعتبار أن عملية القتل التي تمت لجرادات داخل محبسه هي جزء من نهج سارت عليه منذ النكبة الأولى للعرب في عام 1948.
دم الشهيد جرادات وحّد الشعب الفلسطيني الذي لايزال يعاني من استقطابات كبرى بين حركتي فتح وحماس، لكن الجريمة التي تمت حجّمت من مساحات الخلاف بين الفصيلين اللذين يخوضان صراعاً أسهم في وضع القضية الفلسطينية في ذيل الخبر العربي والدولي. هذا التطور الذي فاجأ سلطة الاحتلال من غيوم انتفاضة ثالثة، فرض نفسه على الوضع السياسي داخل الكيان، الذي بدوره حاول التملص من مسؤولية قتل جرادات وادعى أنه مات «بسبب نوبة قلبية». تبرير لم يبتلعه حتى بعض عتاة الصهاينة فضلاً عن الشعب الفلسطيني وقواه الفاعلة. فالقتل تحت التعذيب يعدّ واحدة من «الشيم» الصهيونية نظراً لاستمراء عملية القتل خارج القانون. «فوفق تصورات التلمود والتوراة عن غير اليهود بأنهم حيوانات بهيئة بشرية خُلقوا للعمل عند اليهود ويعدّ قتلهم قرباناً إلى الله»، حسب الكاتب غازي أبوكشك من المؤسسة الفلسطينية للإعلام. في الموسوعة الصهيونية ثمة كثير من «حيونة» البشر خارج سياج الصهاينة، وهي تعريفات ومفاهيم تشكل جزءاً من المنظومة الصهيونية التي تقاتل لفرض الدولة الدينية اليهودية تمهيداً لعملية ترانسفير كبرى ضد فلسطينيي الـ48 وسط فرجة دولية على إبادة شعب بأكمله.
القتل خارج القانون ليس صناعة صهيونية فقط، بل هو في عمق أجهزة الأمن في نظم العالم الثالث، ومنها الأنظمة العربية التي أخرجت ما في جعبتها في السنوات الأخيرة لممارسة القتل خارج القانون، سواء كان بالتعذيب داخل الزنازين أو القتل في الشوارع بمختلف أنواع الأسلحة «الفردية» مثل الرصاص الحي والدمدم المحرم دولياً، أو الجماعي الذي تستخدم فيه الغازات السامة التي تأكد في أعرق المختبرات الدولية أنها تقتل البشر وهم في بيوتهم بسبب الكثافة التي تستخدمها السلطات المحلية في مواجهة المحتجين السلميين الذين لا يملكون سوى حناجرهم يستخدمونها بالهتافات ضد القمع ومصادرة الحريات.
نفهم الوضع في فلسطين، حيث الاحتلال يمارس نهجه الذي جُبل عليه. ونفهم نهج بينوشيه في تشيلي عندما قاد انقلابه على سلفادور الليندي وأدخل بلاده في حقبة مظلمة حوّل فيها ملاعب كرة القدم إلى معتقلات للآلاف، وجعل من ثلاجات المستشفيات مواطن لمعارضيه الذين تُزهق أرواحهم بطرق بشعة أضافت «حيونة» جديدة للسلوك الإنساني المشبع بغرور التمسك بالسلطة. لكن ما لا يمكن فهمه هو سلوك عديد من الأنظمة العربية تجاه مواطنيها في عصر يُفترض فيه أن حقوق الإنسان مصونة فيه، خصوصاً وأن أغلب الأنظمة «المارقة» هي عضو في منظمة الأمم المتحدة التي أطلقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية السياسية والثقافية والاقتصادية، ما يعني وعيها الكامل بأن القتل خارج القانون هو سلوك شائن لا يمكن تمريره والقبول به تحت أي مبررات باهتة من طراز القتل العمد دفاعاً عن النفس التي تزداد في الآونة الأخيرة، حتى ملأت ثلاجات المستشفيات من ضحايا القتل التي لا تجد طرقاً قانونية لتمرير عملية القتل واحتجاز الجثث إلا عبر تصدير الأزمة إلى الخارج، الذي تُعلق عليه شماعات الفشل الداخلي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، حيث البطالة والفقر وتآكل الطبقة الوسطى وانهيار الضمانات الاجتماعية وعصر القوى المجتمعية عصراً يصل حد القتل الجماعي بدم بارد يذكر بعصور اعتقد كثيرون أنها مضت إلى غير رجعة، لكنها يبدو قد تأصلت بطريقة أكثر دموية من القرون الماضية، حتى بدت وكأن عقارب الساعة قد عادت إلى الوراء، وأصبحت آلة القتل الصهيونية أقل وطأة في أحيان كثيرة من عمليات القتل التي تتم في العواصم العربية بعد أن هبت رياح الربيع العربي على عواصم مفصلية كانت تريد تصحيح مسار توزيع الثروة والسلطة لصالح مفهوم المواطنة المتساوية التي فقدت بريقها لعقود طويلة في العالم العربي.
صحيح أن عملية تصفية ياسر جرادات في السجون الصهيونية وحّدت الشارع الفلسطيني ضد القتل خارج القانون والتعامل مع الأسرى على أنهم أقل من البشر بكثير، لكن حالة كهذه في عواصم عربية أخرى تزيد من تقسيم الجمهور بسبب البطش الذي تعاني منه مجتمعات عربية كثيرة، بما فيها تلك التي هبّ الربيع عليها وغيّر رؤوس أنظمتها بطريقة سلمية كما هو الحال مع تونس ومصر. فبعض النظم لا تتورع في استخدام الأسلحة كافة في تفتيت المجتمع إلى قبائل وطوائف وفرق تتقاتل مع بعضها من أجل بقائها في سدة الحكم، وإن كان على جماجم شعبها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٥٣) صفحة (١٧) بتاريخ (٠١-٠٣-٢٠١٣)