هو رجل متوقّد الذهن وناصح، مواعيده مضبوطة كدقات ساعة بيج بن الشهيرة، وحركاته محسوبة بالمليمتر مثل حركات الحرس الملكي لقصر باكنجهام، لا الرشوة تنفع معه، ولا التهديد يأتي بنتيجة، أي أنه لا يبيع ضميره ونزاهته لا بالزهيد ولا بالغالي، حتى لو كانت أمامه القناطير المقنطرة. كان ومازال صديقي الشاب الكفء والطموح جدا و»المطفر» جدا جدا، مؤمنا بأن الفرص متاحة للجميع، وأن الجدارة أساس الترقي والاختيار. اعتنق مقولة الإيطالي دانجيلوا: «إن كان لديك ما يكفي من الوقت للشكوى والتذمر من شيء فلابد أن لديك ما يكفي من الوقت لفعل شيء حياله» وحين كنا جميعا نلعن الظلام، كان الوحيد بيننا الذي آمن أن الظلام الحالك لا تبدده اللعنات، وأن الضوء يجب أن يشع ولو من خرم الإبرة، وأن أشعة الشمس الذهبية لابد أن تغمر الوطن الذي ينتظر الشباب، وأنه لن يجلس كأي رجل لاحول له ولا قوة على قارعة الطريق. حين كنت أحادثه آخر مرة أخبرني بأنه «يعتل» بعض المعاملات معه إلى بيته كيلا يؤخرها على الناس، فرفعت يدي وأصابعي العشر غير ناقصة داعيا بأن ينقله الله من المرتبة السادسة، ويجعله ذات يوم وزيرا أو على مرتبة وزير. وردد بكل براءة وصفاء آمين يارب العالمين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٥٧) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٥-٠٣-٢٠١٣)