حينما اتجهت «الشرق» إلى جوبا لم تقطع هذه المسافة لغرض إجراء حوارات مع المسؤولين الرسميين، وإنما سعت إلى رصد هذا المجتمع الوليد واستشراف علاقاته الخارجية وخصوصا بالعرب وبإسرائيل.
قبل أن نذهب إلى هناك، سمعنا وقرأنا عن التقارب المريب بين جوبا وتل أبيب وخطورته على أمن الدول العربية وما صنعه من حاجزٍ نفسي بين العرب وجنوب السودان.
عاين مراسلو «الشرق» الواقع وبحثوا الأسباب فتيقَّنوا من أن تل أبيب لم تكن لتوطد وجودها هناك إلا لأن العرب غابوا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو غيابٌ مستمر رغم كل ما قيل عن تأثيراته السلبية.
استغلت تل أبيب عامل التاريخ فهي من دعم تمرد جنوب السودان على شماله منذ عام 1955، ودخلت إلى هناك عبر بوابة الاقتصاد لتحقق مصالحها الاستراتيجية، وهي الآن ترسخ لنفوذها وترسل خبراءها في العسكرية والأمن والزراعة والري إلى جوبا التي تفاعلت مع هذا التقارب خصوصا حينما وجدت العرب بعيدين عنها وهي الوطن الجديد المحتاج لكافة أشكال الدعم.
رحلة «الشرق» إلى جوبا كشفت عن عدم وضوح رؤية العمل العربي تجاه جنوب السودان رغم أنها إحدى دول الجوار وتملك مقومات اقتصادية وتتيح فرص استثمار مهمة، أضف إلى ذلك أهميتها الاستراتيجية بحكم موقعها الجغرافي.
الآن تبدو المهمة شديدة الصعوبة نتيجة التأخر في التحرك؛ ولأن الساحة خلت أمام من يحاولون تعميق الفجوة بين أهل جنوب السودان والعالم العربي، مستغلين خلفيات وحوادث تاريخية حتى بات بعض الجنوبيين يقول إن أكبر مشترك مع الإسرائيليين هو بُغض العالم العربي لكليهما.
كل ما سبق يؤكد أننا كعرب في حاجة لإعادة النظر في هذا الملف وتدارك ما وقعنا فيه من أخطاء واضحة تماماً ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه حفاظاً على مصالحنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٥٨) صفحة (١٩) بتاريخ (٠٦-٠٣-٢٠١٣)