من أكثر الوزارات التي تتعرض -خلال هذه الأيام- للنقد «الصحة، التربية والتعليم، العمل» ويعود ذلك لكونها -أي الوزارات المشار إليها- ذات علاقة بأكبر شريحة من المجتمع، فضلاً عن ملامستها طموح وأوجاع كثيرين، وحين تأخذ هذه الوزارات المساحة الأكبر من الملاحظات والانتقادات، عليها أن تشكر الله لأنها وجدت من يعينها في تبصيرها، ويكشف مكامن العطب فيها، لتسعى جاهدة في معالجة الخلل الذي أصاب مفاصل العمل بها.
ويسعى الإنسان -أي إنسان- أن يجد الطبيب القادر على معالجته، الماهر في تطبيبه وتوفير العلاج الناجع لمرضه -بمشيئة الله- والمستشفى المتمكن من أداء عمله بجودة عالية، عندها سيرفع المواطن عبارات الشكر والتقدير والامتنان لله أولاً، ثم لهذه الوزارة التي اعتنت بصحته وهيأت له الفرصة لوقايته والتخفيف من آلامه، وساعدته في إزالة الأوهام التي تصيبه حين يخضع جسده لتحاليل غير دقيقة ومباضع غير آمنة وأدوية غير مفيدة، التي عندها يأخذ المريض جانبين إما أن يقطع التفكير في مراجعة المستشفيات، أو يقع فريسة سهلة للأطباء الشعبيين، وما أكثرهم، حتى -لا سمح الله- يلقى حتفه.
ووزارة العمل قد لامست قوت الناس ومعاشهم، فكثير من الأسر تعيش بما أفاء الله لها من مردود المؤسسات التي تملكها، فضلاً عن التأثير الغير مباشر الذي يصل إلى القاصي والداني بارتفاع سعر الأيدي العاملة احتجاجاً -ربما يكون منطقياً- على تلك الزيادة التي فرضتها وزارة العمل، وكنت أتمنى أن تضع معايير لمستوى درجات الكسب ونسبة الدخل. بعض المهن لا تقدم كسباً مالياً كبيراً كأماكن الحلاقة والبوفيهات بخلاف الشركات والمؤسسات الكبيرة، فوزارة العمل تقص القماش للجميع بمقاس واحد وتنظر من منظار واحد، لذا نالها ما نالها من هجوم إعلامي، الجميل أن هذه الوزارة تُعطي مبررات لما تقوم به بصرف النظر عن كونها صائبة أم لا، وتتحجج بأن الهدف الحد من نسبة العمالة الوافدة وزيادة الموارد المالية للدولة، وتقليص حجم الحوالات المستنزفة للخارج، إلا أن قراراً مثل هذا سيضعف المؤسسات الصغيرة وربما يميتها، ويُعطل المشاريع التنموية الكبيرة. إذا كانت الوزارة تهدف إلى مقاصد جميلة وغايات نبيلة، إلا أن تبعاتها من الأضرار قد تكون أكبر، مما يستدعي إعادة دراسة القرار بما يخدم جميع الأطراف.
أما وزارة التربية والتعليم، فهي الأخرى تتلقى النصيب الأكبر من نبال النقد ورماح العتب وسهام الغضب، سواء من منسوبيها «المعلمين» الذين يقولون إن وزارتهم عقتهم وحرمتهم من مستحقاتهم رغم وضوح قضيتهم وتعاطف كثير من الجهات معهم، إلا أن تلك الاستحقاقات مازالت في غياهب الضياع، والبعض يرى في وزارة التربية عدم جديتها في حل المشكلات التى تعترضها، سواء قضية الرواتب المستحقة للمعلمين الذين أدرجوا ضمن البند، أو مشكلة المباني المستأجرة رغم التصريحات الرنانة من سنوات مضت، حيث قال أحد كبار المسؤولين: إن المستأجر سوف يتحدث عنه الناس، كنوع من الطرفة السمجة، بأن الطلاب كانوا في يوم من الأيام يتلقون تعليمهم في المطابخ والحجرات الضيقة، ومع الأسف الشديد مرت الأيام والأشهر والسنون وبقيت المباني المستأجرة، بل تتزايد سنة بعد سنة، وزادت نسبة الطلاب الذين يدرسون في المساء خصوصاً في المدن الكبيرة، بل استشرت جوانب مخيفة في كون ولي الأمر يدفع من جيبه ليتسنى لأبنائه الدراسة صباحاً، وإذا كان الناطق الإعلامي يظهر بقوة أمام وسائل الإعلام لينفي زيادة حصة دراسية، ويمكث في الظل دون الحديث عن القضايا التي تنشر عنها الصحف يومياً، وكما يقول المثل «هذي بطين والأخرى بعجين». الوزراة أشغلت الميدان التربوي بالإجازات وكأنه الهم الأكبر لها، لا أدري هل هي استراتيجية جديدة؟ لينسى المعلمون قضاياهم المهمة.. ولفت انتباه المجتمع إلى جوانب أقل أهمية، كشعار الوزارة، في حقيقته لا يقدم ولا يؤخر، حتى لو وضعوا تلك التفسيرات التي تُبجل الأجنحة المتماهية، الوزارة تعاني من التروس الداخلية التي أصابها الوهن وتحتاج إلى زيوت الإبداع. أما الشعار، فلو اختارت في كل عام شعاراً جديداً فلا ضير في ذلك، إلا أن من الواجب الوضوح وخروج الناطق الإعلامي ليوضح الحقائق أياً كانت.
في الوزارة كثير من الفنانين التشكيليين لديهم الاستعداد لمؤازرة وزارتهم لتقديم الرسم مجاناً، إذا كانت الوزارة تظن أنها «بالشعار» سوف تُغير آلية العمل بها. من حسن أو سوء حظ الوزارات الأخرى ضعف الالتفات إليها رغم الاستحقاق الذي تحتاجه، فالاعوجاج لا يُشاهد بوضوح من الداخل بل يحتاج إلى عيون بصيرة من الخارج، والأسوأ أن بعض المسؤولين يظنون أن أعمالهم متميزة ويُصدِّقون هذا الوهم ويروجون له؛ ربما لأن وسائل الإعلام لم تدق مسمار النقد، وإلا فما معنى أن تستمر بعض القضايا في المحاكم لسنوات دون صدور الحكم؟ هل لعجز في عدد القضاة؟ أم ماذا؟ هناك قضايا أخرى مهمة من الضرورة بمكان الانعطاف إليها وتناولها بكثير من الوضوح والشفافية والحوار المفيد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٦٠) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٨-٠٣-٢٠١٣)