ما بين حكومات الخبراء «التكنوقراط» والحكومات المتحزِّبة تبدو عواصم الربيع العربي في حيرة، فالأولى تُغضب التيارات السياسية والثانية تلقَى الهجوم بدعوى غياب الكفاءات.
يعتقد السياسيون الذين أفرزتهم الثورات العربية أنهم الأولى بالقيادة؛ استناداً إلى مبدأ أن الثورة لابد أن تحكم، يرى هؤلاء أن رجال السياسة وقادة الأحزاب قادرون على مواكبة الشارع والتحكم في انفعالاته وتفاعلاته، ولكن الملاحظ أن التيارات السياسية لم تفرز من يمكن تسميتهم بـ «رجال الدولة».
تغلب الحماسة على الثوار وتغيب التجربة، لذا تصبح حكومات ما بعد التغيير في حاجة ماسَّة إلى التكنوقراط القادمين من المراكز العلمية ودولاب العمل الحكومي، هؤلاء غالباً ذوو كفاءة ومحايدون، لا يملكون مشاعر حزبية، يعملون مع أي نظام، ولا يتدخلون في رسم أيديولوجيته وإنما يسيِّرون الأعمال وفقاً للبناء الهيكلي للدولة، ولا يستقيم منطقياً تصنيفهم كأعوان للأنظمة التي سقطت رغم أنهم تابعون لها في الشكل.
في مصر، استنجدت حكومات الثورة بوزراء من الحقبة السابقة، عصام شرف أصبح رئيساً للوزراء وتلاه كمال الجنزوري وقبلهما كان أحمد شفيق، وفي اليمن وصل عبد ربه منصور هادي إلى قمة السلطة بعد سنوات من العمل داخل حزب سلفه علي عبدالله صالح، وفي تونس وجدنا محمد الغنوشي على رأس الحكومة ومن بعده الباجي قائد السبسي.
إلا أن المشكلة تكمن في أن عدم رضا السياسيين عن هذا النوع من «رجال الدولة» يعوق خططهم، ماذا بعد؟ يتم توزير الكوادر الحزبية فلا تختلف النتيجة كثيراً، تتعرض هذه الكوادر للنقد العاصف بدعوى افتقاد ملكات القيادة.
الثابت، أن ثورات الربيع العربي لم تفرز إلى الآن وزراءها وكوادرها القادرة على تصدر المشهد، وهو ما يجعلها مختلفة عن ثورات التحرر في منتصف القرن الماضي، التي أفرزت أنظمة سيطرت على مواقع السلطة والتصق فيها السياسيون بالتكنوقراط فشكلوا طبقة حاكمة سادت لعقود.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٦٢) صفحة (١٧) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٣)