في الحادي عشر من شهر مارس الجاري أصدر العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة مرسوماً ملكياً بتعيين ولي عهده ونائب القائد الأعلى، سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، في منصب جديد هو النائب الأول لرئيس الوزراء، وعَهِدَ إليه في المرسوم «تطوير أداء الأجهزة التنفيذية». وقد ردَّ ولي العهد برسالة للملك تعهَّد في بعض مقاطعها بأن يعمل «من أجل إعادة البحرين نموذجاً في التسامح والتوافق ومحاربة الإقصاء والعمل على أن تظل البحرين الفكرة والهيئة والصورة الناصعة البياض في تقدمها وثقافتها ونبيل فيض محبتها للتنوع والديمقراطية واحترام حرية الإنسان وترسيخ معنى المواطنة التي تقوم على فكرة الحق والواجب ولا تنحاز إلى فئة أو طائفة أو مذهب».
مفردات ولي العهد البحريني التي تضمنتها رسالته ذكَّرت كثيراً من المتابعين ببداية الأزمة السياسية الدستورية التي تعصف بالبحرين منذ الرابع عشر من فبراير 2011، عندما تصدَّر المشهد وكُلِّف من قِبَل العاهل البحريني بإدارة الحوار مع المعارضة السياسية البحرينية التي دخلت في ماراثون مفاوضات غير مباشرة مع ولي العهد أنتجت في الثالث عشر من مارس 2011، مبادرة أطلقها سموُّه عبر التليفزيون، تليفزيون البحرين، مساء ذلك اليوم بعد جولة طويلة من المفاوضات استمرت لنحو ثلاث ساعات شارك فيها كاتب المقال، بين وفد رفيع المستوى مكوَّن من أربعة من كبار المسؤولين وبين قيادات الجمعيات السياسية المعارضة السبع. جاءت مبادرة ولي العهد لحل الأزمة متضمنةً سبعة بنود هي «مجلس نواب كامل الصلاحيات، حكومة تمثل الإرادة الشعبية، دوائر انتخابية عادلة، التجنيس، محاربة الفساد المالي والإداري، أملاك الدولة ومعالجة الاحتقان الطائفي». وخلال 24 ساعة رحَّبَت المعارضة بمبادرة ولي العهد وطلبت توضيحات رسمية بشأنها، إلا أنَّ التطورات أسرع من الجميع بدخول البلاد إلى الحل الأمني واستمراره حتى هذه اللحظة، بينما توارى الحل السياسي وغابت مبادرة ولي العهد عن واجهة المشهد السياسي، وبطبيعة الحال عن الإعلام الرسمي الذي تنكَّرَ لها وشطبَها من خطابه حتى الآن على الأقل.
ومع إضافة مهام قيادية تنفيذية إلى مسؤوليات ولي العهد البحريني، تترقَّبُ الأوساط المحلية والإقليمية والدولية المتابعة للشأن البحريني، خطوات نوعيَّة لحلحلة ملفات كثيرة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي الجانب الاقتصادي، ومع الأخذ في عين الاعتبار عائدات النفط والدعم الخليجي الذي يتصدَّرُه مشروع مارشال القاضي بدفع مليار دولار سنوياً على مدار عشر سنوات، إلا أنَّ الاقتصاد المحلي يعاني من تراجع وانكماش كبير بسبب الأوضاع الأمنية، برزت في عمليات التسريح المستمرة التي شهدتها الشركات الكبرى وانسحاب بعض المصارف وتقليص أعداد العاملين في البعض الآخر، وتُوِّجَت بإعلان إفلاس طيران البحرين، وتسريح عمالتها، بينما تشهد أعرق شركة طيران في المنطقة «طيران الخليج» إعادة هيكلة في عدة مستويات أهمها تقليص العمالة بنسب مهمة بهدف تقليص خسائرها للنصف مع نهاية العام الجاري. في هذا الوقت تتزايد نسبة البطالة ويُضاف إليها أعداد المُسرَّحِين ليشكل الاثنان حالةً ضاغطةً لا يمكن تجاهلُها. ورغم أهمية الملف الاقتصادي الذي تخصص فيه وليُّ العهد، خصوصاً بعد العام 2007، عندما أوكل له العاهل البحريني مسؤوليته، إلا أنَّ الضاغط في الوقت الراهن هو الملفُّ السياسي. ومن الواضح أنَّ الأزمة تضغط باتجاه ضرورة الخروج بتسوية دائمة تُبعِدُ البحرين عن تجاذبات الأوضاع الإقليمية والدولية ليتفرغ أبناؤُها للتنمية الإنسانية المستدامة.
إنَّ الوضع السياسي يشكل الضاغط الأكبر على الأزمة في البحرين نظراً لدخول الحوار الوطني الجديد في مرحلة حرجة تهدد بانهياره من الداخل بسبب عدم التحضير له من قِبَل الداعين له، وبسبب حالة الاستقطاب الكبيرة التي يواجهها المتحاورون على آليات ومبادئ وأجندة الحوار. وهذه مسائلُ تحتاج إلى رافعة عملاقة لكي تزحزحَ الزوايا تمهيداً لتدويرها بما يجنِّبُ سقوط الحوار في دائرة الفشل والعودة للمربع الأول في الأزمة. وربما أنَّ وجود ولي العهد في قيادة السلطة التنفيذية من شأنه أن يحدث تغييراً دراماتيكياً يساعد على إقلاع الحوار نحو الموضوعات الرئيسة والمتمثلة في شكل السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، الدوائر الانتخابية، وموضوعات الأمن للجميع والسلطة القضائية. وهذه موضوعات بحاجة إلى دفعة قوية وقرارات جريئة قادرة على تحريك المياه الراكدة أمام الحوار الذي ينبغي أن يصل إلى خلاصات تطوي مرحلة قاتمة في حياة البحرينيين وفتح صفحة جديدة من التنمية السياسية القائمة على تنفيذ الاستحقاقات المحليَّة ذات البعد الدولي، وفي مقدمتها توصيات لجنة تقصِّي الحقائق وتوصيات مجلس حقوق الإنسان العالمي التي أعلن الجانب الرسمي التزامَه بتنفيذها. وهذه تشكِّلُ خارطة طريق مهمة لتبريد الساحة أمنياً، وتعبيد الطريق أمام حوار جاد ذي مغزى يُفضِي إلى نتائج تنعكس إيجاباً على كل مكوِّنات المجتمع البحريني.. وهذه مجتمعة تبدو أهم القضايا التي تقلق ولي العهد، ولابد من الدخول في دهاليزها، الأمر الذي سيعطي قيمة مضافة كبرى للمهمة الجديدة لولي عهد البحرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٦٧) صفحة (١٥) بتاريخ (١٥-٠٣-٢٠١٣)