كتبت مقالاً بعنوان «السياحة بترولنا الذي لا ينضب» على اعتبار أن السياحة صناعة بكل ما تعنيه الكلمة من مدلولات ومفاهيم، وهي صناعة ناجحة متى خُطط لها بشكل علمي وسُخرت لها الأموال من أجل تنميتها وتطويرها، حتماً سيكون المردود كبيراً.
وتظل السياحة صناعة مستمرة تتنامى وتخدم أغلبية شرائح المجتمع وأصحاب المهن، بدءاً بمُلَّاك الفنادق والشقق المفروشة وصولاً إلى أصحاب المطاعم والأسواق التجارية وسيارات الأجرة وغيرهم، ومنطقة الباحة تقوم على وظيفتين أساسيتين، هما الزراعة والسياحة، الأولى: تضاءلت لاتجاه معظم المزارعين إلى الوظائف الحكومية أو الأعمال التجارية، وهذا التضاؤل لا يعني التهميش، بل التحسين للطرائق الزراعية واستغلال سفوح الجبال لزراعة الفاكهة، خصوصاً التين والرمان والعنب والزيتون، أما الوظيفة الثانية: السياحة، فهي مستمرة ومتنامية إلا أنها تحتاج إلى وقفة متأنية من أصحاب القرار أولاً، وكذلك من منظومة المجتمع بكامله..
إذاً الباحة تأخذ في الفترة الراهنة منعطفاً مهماً، إما أن تُثبت وجودها كوجهة سياحية جاذبة تستقطب السياح من مدن ومناطق المملكة ومن دول الخليج لتنطبع في ذاكرة السائحين كمكان جميل، ليس فقط بمقوماتها الطبيعية من مناخ آسر وطبيعة خلابة، بل بمستوى الخدمات التي تُقدم للسائحين، بمعنى أن السائح إذا لم يجد شيئاً جديداً وجذاباً ويحقق الراحة له ولأفراد أسرته خصوصاً الأطفال، سوف يضع مناطق ودولاً أخرى في أولويات زياراته، وبالتالي تخسر المنطقة سائحين كان يُفترض تقديم ما يسرهم ويبهجهم ويحقق لهم المتعة البريئة.
ولما كان العبء الأكبر يقع على عاتق الأمانة والبلديات وإدارة الطرق وإدارة التطوير السياحي؛ باعتبارها المرافق الحكومية ذات العلاقة المباشرة، من خلال إسهاماتها في تقديم الجهود والخدمات من أجل راحة الزوار والسائحين. بالفعل قامت أمانة الباحة في السنوات القليلة الماضية بما يحقق الرضا، إلا أن هذا غير كافٍ، بل تحتاج المنطقة لمزيد من التحسينات لغاباتها التي تزيد عن أربعين غابة تملأ سفوح جبالها امتداداً من برحرح حتى بالشهم، ومن الشواهد التي جسدتها أعمال الأمانة متنزه رغدان، الذي أصبح أحد أبرز المواقع السياحية، إذ يستقطب ما يزيد عن 90% من زوار المنطقة، كذلك حديقة الأمير مشاري بن سعود الواقعة على مشارف غابة الزرائب وقد بدأت فيها التحسينات مؤخراً، وحديقة جبل مهران التي تشرف على القطاع التهامي كإطلالة جميلة يستمتع الرائي بمشاهدة المنحدرات السحيقة وكأنه على جناح طائرة محلقة. وحتى تكون السياحة صناعة حقيقية، فلا يكون ذلك بتهيئة المواقع فحسب، بل بالتخطيط السليم والتنظيم الواعي الذي يشترك في منظومته مسؤولو الإدارات الحكومية والمؤوسسات الأهلية، ومن بينها مكاتب الخدمات الجوية بتوفير رحلات جوية مباشرة في فصل الصيف من عواصم دول الخليج العربي إلى الباحة، وهذا الطموح ليس صعباً أن تقوم به خطوطنا السعودية بالتنسيق مع الطيران الخليجي، خصوصاً وأن مطار العقيق مهيأ لاستقبال الطيران الدولي.
وقبل هذا وذاك، منطقة الباحة ذات خصائص ومزايا سياحية وتراثية وأثرية البعض لا يشعر بها أو يقلل من شأنها، إلا أن تعزيز هذه الوظيفة هو خيار مستقبلي أمثل لاقتصادنا الوطني، ومن الذي يقوم بهذه المهمة؟ في ظني مسؤولية مشتركة بين الجميع بدءاً بالإدارة العليا في المنطقة، وكذلك التعليم بجميع مستوياته العام والجامعي والتقني والمهني برفع الثقافة لمفاهيم وأهداف السياحة.
الباحة تحتاج إلى كلية متخصصة في السياحية لتقوم بمهامها في تخريج الشباب القادر على خدمة السياحة بما يمتلكونه من علم ومعرفة ومهارة، فهل جامعة الباحة تستطيع أن تنجز هذا الطموح؟.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧٠) صفحة (١٦) بتاريخ (١٨-٠٣-٢٠١٣)