لأكثر من أربعين عاماً؛ تستقبل المملكة ـ سنوياً ـ آلافاً من الباحثين عن فرص العمل. إنه تدفق سنويّ كبير ارتبط باحتياجات البلاد وشراكتها مع الدول الشقيقة والصديقة. تدفق ارتبط بتاريخ التنمية السعودية التي احتاجت إلى الخبرات والمهارات والأيدي العاملة. تدفق أعطى المملكة كثيراً، وبالمقابل أخذ كثيراً ضمن إطار العلاقات الطيبة والشراكات الاستراتيجية والاحتياجات المتبادلة.
إلا أن الزمن كشف عن هامش عريض من المشكلات التنظيمية والإجرائية وسوء استعمال الفرص وإهدار الطاقات لصالح منافع محدودة. جزء كبير من هذا الهامش تركّز في مخالفات نظامي الإقامة والعمل، وتمثل في استقدام قوى عاملة لصالح شركات ومؤسسات وأفراد، وتحويلها إلى مصدر دخل يُشبه، إلى حدّ كبير، منطق الإتاوة. وقد آلت الأمور، في كثير من المخالفات، إلى استقدام عمّال وفنيين والتخلي عنهم ليعملوا في أي حقل وفي أي نشاط مقابل أن يدفعوا لكفلائهم «المعلوم» شهرياً.
وصل الحال إلى حدّ شبه معقد لأسباب متعددة. وعلى مرّ السنوات تحوّلت أعداد هائلة من المقيمين النظاميين ـ شكلاً ـ إلى ظاهرة من المخالفات الكثيرة والمتشابكة. وقد مارست هذا النوع من الأنشطة غير المشروعة، شركات ومؤسسات وأفراد، وتوزعت خارطة المخالفات على مناطق المملكة ومحافظاتها وقراها.. حتى هجرها النائية؛ باتت ملاذاً لهذه المخالفات التي لا يمكن تحجيم أضرارها على نحو فاعل.
ومن هنا كان قرار مجلس الوزراء أمس. فقد تراكمت الأعداد في كل مكان. شركات تؤجر عمالة، شركات أخرى تترك عمالها وفنييها يعملون لصالح أنفسهم، يقاولون، ينتشرون متسترين بنظام الكفالة ورُخص العمل والرخص المهنية والسجلات التجارية.
كان قرار مجلس الوزراء واضحاً، ومستنداً إلى رؤية قدمتها وزارة الداخلية، وهو ما يُشير إلى وجود مغزىً أمنيّ في القضية المتداخلة مع أمور اقتصادية واجتماعية متعددة.
القادمون من الدول الشقيقة والصديقة لهم حقوقهم التي تضمنها الأنظمة المرعية في المملكة، ولا يجوز ـ بأي حال من الأحوال ـ تجاوز هذه الأنظمة لا من قبلهم ولا من قبل السعوديين أنفسهم الذين استقدموهم واستخدموهم في غير ما استقدموا له، خاصة ذلك النوع من المخالفات التي يعمل فيها العامل لحسابه الخاص، أو يعمل فيها لصالح غير صاحب العمل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧١) صفحة (١٧) بتاريخ (١٩-٠٣-٢٠١٣)