صرف الأدوية دون وصفة.. «مغامرة» تهدِّد حياة المرضى

يثق المرضى بوصفات الصيدلي دون رغبة بالذهاب إلى الطبيب

طباعة التعليقات

جازانأمل مدربا

دراسة متخصصة: 65 % من الأدوية السعودية تصرف بلا وصفة طبية.
%10 فقط يعتمدون على الإنترنت للحصول على المعلومات عن الدواء.
%62 يعتمدون على الطبيب أو الصيدلاني كمصدر وحيد لأخذ معلومات عن الأدوية.

يثق المريض بالصيدلاني ثقة عمياء من ناحية وصف الأدوية مهما بلغت خطورتها، ربما هرباً من دفع المبالغ المالية الكبيرة، وسعياً للحصول على الأدوية بشكل سريع وبأقل التكاليف، أو لقلة الوعي، وانعدام الثقافة الصحية في المجتمع ككل، الأمر الذي انعكس سلباً في قطاع الصيدليات، خصوصا الأهلية التي سعت إلى صرف الأدوية دون وصفات طبية رغبة في الحصول على الربح المادي، والترويج لمنتجاتها، ورغم كل التحذيرات التي تصف هذه الظاهرة بأنها السبب الرئيس في تهديد سلامة المرضى، هناك تراخٍ واضح من جانب الجهات المسؤولة عن مراقبة الصيادلة وفرض عقوبات رادعة تحول دون صرفهم للأدوية بغير وصفات طبية. فيما لقي اقتراح «التحويل في وصف الوصفات الطبية لأدوية الأمراض المزمنة من الأطباء إلى الصيادلة» الذي تقدمت به الإدارة الأمريكية للغذاء والدواء في شهر مارس اعتراضاً كبيراً من قبل جمعية أطباء أمريكا، رغم ما أبدته من أن هذه الخطوة سوف تحسّن سبل الحصول على الأدوية الفعالة في علاج المرضى، وأن هذا الاقتراح سيخضع لأسس وضعتها المنظمة للتحقق من أمان استخدامه بواسطة وسائل جديدة للتشخيص ورصد حالة المريض، بيد أن أكبر منظمة في أمريكا للأطباء كان ردها على هذا القرار المقترح بأنه يهدد سلامة المرضى، وذلك لأن «الصيادلة أعضاء فعالون ومهمون في فريق تقديم الرعاية الصحية للمريض، ولكن التدريب المنهجي الذي تلقاه الصيادلة لا يمكن مقارنته بالتدريب الذي تلقاه الأطباء»، جاء ذلك بعد اجتماع المنظمة في شيكاغو.

دراسة متخصصة

وكشفت دراسة متخصصة أن 65% من الأدوية في السعودية تصرف بلا وصفة طبية، حيث يتغاضى الصيادلة عن السؤال عنها عند صرفهم الدواء للمستهلك، وأظهرت الدراسة، التي أجرتها مجموعة من طلبة جامعة الخليج العربي بالبحرين حول «سلوك المستهلك السعودي للدواء في منطقة الأحساء»، التي شملت 385 شخصاً، أن 14% من عيّنة البحث لا يستخدمون أيّ وصفة طبية عند شراء الأدوية، وأن 37% لا يعلمون أن شراء الدواء يحتاج لوصفة طبية، وأوضحت الدراسة أن 10% فقط يعتمدون على الوسائل الحديثة كالإنترنت للحصول على المعلومات عن الدواء، فيما 62% يعتمدون على الطبيب أو الصيدلاني كمصدر وحيد لأخذ معلومات عن الأدوية، وأوصت الدراسة الجهات المسؤولة باتخاذ التدابير اللازمة لتطبيق الشروط القانونية، خصوصاً أن 65% من عيّنة البحث، أكدوا أن الصيدلي لا يسألهم عن الوصفة الطبية عند شراء الدواء، ما يعد مخالفة قانونية تقتضي العقوبة.
وقامت «الشرق» بجولة ميدانية على عدد من الصيدليات الأهلية لمعرفة أسباب بيع الأدوية دون وصفة طبية، وعلاقة الثقة المتبادلة بين الصيدلي والمريض الذي يتحاشى الذهاب للطبيب إما خوفاً من ساعات الانتظار الطويلة، أو دفع تكاليف الكشف المُبالغ بها.

الأدوية الوصفية

ويوضح الصيدلي محمود مصطفى الفارق بين الأدوية الوصفية واللاوصفية، ويقول: «يندرج تحت قائمة الأدوية الوصفية المضادات الحيوية، والأدوية النفسية، وأدوية الضغط والسكر، فيما تعد المسكنات، وخافض الحرارة، وأدوية الكحة، والفيتامينات، والمكملات الغذائية، وكثير من الأدوية العشبية من الأدوية اللاوصفية» ويؤكد د. مصطفى وجود حالات كثيرة لأخطاء طبية من قبل بعض الصيادلة يعرف بها كل مَنْ يعمل في هذا الوسط تسببت بأضرار على صحة المرضى، ويقول «تحدث تجاوزات من بعض الصيادلة في الاعتداء على اختصاص الطبيب بتشخيص المرض للمريض، وصرف أدوية من المفروض أن تكون بوصفة طبية»، كما أنه لا يرى بأساً في صرف دواء وصفي في الحالات «الطارئة» فقط، كأن يكون مكان سكن المريض في منطقة بعيدة عن المستوصفات والمستشفيات على أن يراعي الصيدلي التنبيه على المريض بالتوجه في أقرب فرصة لمراجعة الطبيب.

كسل وهروب..

ويرجع الصيدلي أحمد زكي لجوء الناس إلى الصيدلية بحثاً عن العلاج إلى الكسل، ورغبة المرضى ما يضطر الصيادلة لقبول تشخيص الأمراض وصرف الأدوية بدون وصفة، وربما كان اتجاه كثير من المرضى للصيدلي كبديل عن الطبيب لتوفير القيمة المادية للكشف الطبي التي يراها بعضهم مرتفعة ومُبالغ بها، خصوصاً مع الأمراض البسيطة، إضافة إلى مبالغة بعض الأطباء في صرف مجموعة كبيرة من الأدوية إلى المرضى قد يكونون ليسوا بحاجة لها، مؤكداً خطورة صرف الصيادلة لبعض أنواع من الأدوية دون وصفة طبية، ويقول: «من الخطأ صرف أدوية لمرضى السكر والضغط دون مشورة الطبيب، لأن ذلك قد يضر بصحتهم»، مضيفاً: «الصيدلي أمام حالات كهذه لا يملك الاختصاص العلمي، وأدوات التشخيص من تحاليل وأشعة، ولا يعرف كذلك التاريخ الطبي للمريض الذي يعد مهماً في هذه الحالات، لتحديد الدواء المناسب»، ويتابع: «بعض أدوية الضغط المدرة للبول قد تضر بمريض القلب ضرراً شديداً، لذا يجب الحذر وعدم تهاون الصيدلي في صرفها دون وصفة» ويضرب أمثلة عن بعض المرضى الذين يأتون إلى الصيدلية دون مراجعة الطبيب ويطلبون دواءً معيناً أو مضاداً حيوياً بتركيز كبير (500 ملجم) لالتهاب الحلق دون تحديد نوع معين أو وصفة طبية، رغم أن المضادات بجميع أنواعها تدخل تحت لائحة الأدوية الوصفية الممنوع صرفها دون وصفة طبية، ويعترف بصرف كثير من الصيادلة للمضادات الحيوية وبعض أنواع الأدوية الوصفية الأخرى للمرضى دون وصفات، مبرراً ذلك بارتكازهم على رغبة المرضى، ورغبة بعض الصيدليات الأهلية في الربح المادي دون الالتفات لسلامة المريض.

أدوية مغشوشة..

وأشار الصيدلاني حمزة عكيلة إلى أن التركيز والشكل الصيدلاني للدواء الموصوف وبالكفاءة نفسها من حيث الفاعلية والجودة والسلامة يمكن استبداله إذا لم يكن الدواء الموصوف متواًفراً، ولكن بعد استشارة الطبيب المختص، محذراً في الوقت ذاته أن هناك أدوية مدرجة في الدليل السعودي للأدوية اللاوصفية تصرف دون وصفة طبية «OTC» مثل: أدوية الصداع، والزكام، والمطهرات، ومرخص للصيدلي صرفها، ولا يعتقد أن هناك أولويات لوصف دواء لشركة بعينها، وحول أنه توجد أدوية مغشوشة تباع للصيدليات ليجني الصيدلي أو صاحب العمل قدراً من المال مع العلم بأن سعر هذه المستحضرات الأصلي يتجاوز المائة ريال، والمقلد بضعة ريالات؟! قال عكيلة نسمع دائماً عن ضبط صيدليات مخالفة تمارس بيع الأدوية المقلدة، خاصة الأدوية المنشطة لعلاج ضعف الانتصاب، والمنشطات المحظورة غير المسجلة بوزارة الصحة، وأعشاب تخسيس غير مرخصة، وخلطات تبيض عالية التركيز خلال جولات رقابية يقوم بها مراقبو صحة البيئة والشؤون الصحية بشكل مفاجئ ما يؤكد وجود هذه الظاهرة في قطاع الصيدليات، خاصة الصيدليات الأهلية التجارية التي يتم فيها ذلك عن اتفاق مسبق بين الصيدلي والطبيب رغبة في الكسب المادي السريع، ويعتقد أن عملية تركيب الوصفات بالصيدليات قلت في الفترة الأخيرة بشكل كبير، مرجعاً ذلك إلى اعتماد الأطباء على الأدوية المصنعة من قبل شركات الأدوية بجرعاتها وتركيزاتها المختلفة، لافتاً إلى أن فعالية تلك الوصفات وأمانها تعود إلى وصف الطبيب المختص، وأن هناك شروطاً ومتطلبات لضمان جودة وسلامة المستحضر تختلف درجة شؤونها ومتطلباتها حسب توعية الدواء وطريقة استعماله.

تذبذب الأسعار..

وأبان الصيدلي محمد عايض أن الجولات الرقابية التفتيشية التي يقوم بها مراقبو صحة البيئة، ومفتشو إدارة الرخص الطبية وشؤون الصيدلة بالشؤون الصحية، مفاجئة، وتتم بشكل دوري، دون وقت محدد، فقد يأتون بعد كل أربعة أو خمسة أشهر، وقد يأتون بعد كل شهرين، وحول تذبذب أسعار الأدوية، قال «التذبذب ليس في جميع الأدوية، وإنما محصور في بعض الأدوية المستوردة من الدول الأوروبية التي تستعمل اليورو عملةً لها، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن التغير في سعر تلك الأدوية يعود إلى التغيير في سعر صرف اليورو، وليس تغيراً في سعر تسجيل الدواء لدى الوزارة، وضرب مثالاً على دواء معين سعره خمسة «يورو» في حال كان سعر صرف اليورو أربعة ريالات، فإن سعر هذا الدواء بالريال السعودي سوف يكون عشرين ريالاً، وإذا حدث ارتفاع في سعر صرف اليورو وليكن إلى خمسة ريالات، فإن سعر الدواء نفسه، بالسعر المسجل نفسه لدى الوزارة سوف يصبح 25 ريالاً، وأن ذلك بسبب الفرق في سعر العملة الذي ليس لوزارة الصحة أدنى تدخل فيه، على الرغم أن وزارة الصحة لا تعتمد أي تغير في سعر صرف على أية عملة في حال كون الفرق في سعر صرفها لم يتجاوز 10%، وبهذا سيستمر السعر دون تغيير».
وأوضح أن النظام يمنع بيع العينات المجانية، وهي تعطى للصيدلي وللطبيب كتعريف من الشركات بمستحضراتها، منبهاً إذا حدث ذلك يعد تجاوزاً لدى الصيدلاني والطبيب، وهو مخالفة قانونية يعاقب عليها مَنْ اقترف بيع العينات المجانية، وأكد الصيدلي عايض أن أسعار الأدوية في المملكة من أرخص الأسعار مقارنةً بدول المنطقة، بل صارت الأسعار لدينا مرجعاً لكثير من الدول المجاورة، لافتاً إلى أن دراسة حديثة بيّنت أن سعر الدواء لدينا أقل من بقية دول مجلس التعاون في حدود 20- 30%.

طبيب نفسي..

وقال أحد المرضى التقته «الشرق» خارجاً من الصيدلية «الإنسان طبيب نفسه، ويعرف متى تستدعي حالته تدخل الطبيب، كما أن الصيدلاني لا يختلف عن الطبيب كثيراً، ولديه مقدرة على صرف الدواء المناسب، ربما أفضل من بعض الأطباء الذين يصرفون كثيراً من الأدوية، بعد انتظار طويل في العيادة، وصرف مبالغ كبيرة للكشوفات البسيطة، كما أنه ليس هناك مبرر للذهاب للطبيب عندما يشعر الإنسان بآلام خفيفة كالزكام، أو الكحة، وارتفاع درجة الحرارة، ولا شك أثق أنه إذا كانت حالة المريض تستدعي تدخلاً طبياً، فمن المؤكد أن الصيدلي سيخبرني بذلك»، وتقول روابي محمد إنها دائماً ما تأخذ مهدئات، وأدوية نفسية من الصيدلية ودون وصفة طبية، أو حتى استشارة الطبيب، وإنما تتعاطى هذه الأدوية بناءً على استشارة الصيدلي الذي شخص لها معاناتها بالاكتئاب، وصرف لها هذه الأدوية التي تشعر معها بالتحسن.

عند الضرورة

ويحاول عبدالعزيز أحمد عدم استعمال الأدوية بالمطلق إلا عند الضرورة القصوى، مفضلاً عليها الطب الشعبي، إلا أنه وكما يقول يضطر أحياناً لأخذ دواء دون وصفة طبية، ولا أتفق مع أهمية مراجعة الطبيب في كل طارئ صحي يعرض للطفل، مضيفاً أنه لا يلجأ للطبيب إلا في حالة عدم جدوى وصفة الأعشاب الطبيعية، أو وصفة الصيدلي أو في حالات الخطورة.

ضعف الرقابة

واستغرب اختصاصي الباطنية الدكتور محمود عبدالحليم، ما يقوم به كثير من الصيادلة من صرف أدوية بدون وصفة طبية وقال «كل إنسان له اختصاصه في العمل، ولا يصح أن يعتدي على اختصاص الآخرين، مع أهمية دور الصيدلي إلا أنه لا بد أن يعرف الحدود التي يجب أن يقف عندها، ولا ننكر أنه قد يخطئ الطبيب أحياناً، ويصف بعض الأدوية المتعارضة للمريض، وهنا يأتي الدور المهم للصيدلي بحكم معرفته ودراسته لأثر الأدوية على الجسم لتنبيه الطبيب ومراجعته، مبيناً أن أبسط الأدوية كبعض مسكنات الصداع قد تؤدي إلى مضاعفات خطرة نظراً لآثارها الجانبية، مضيفاً أن الصداع في بعض الحالات يكون ناتجاً عن ارتفاع في الضغط، واستعمال المريض لأدوية معينة للصداع قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وحذر من تحول بعض الصيدليات الأهلية إلى أماكن ينتشر فيها الغش والتلاعب بصحة الناس في ظل تزايد أعدادها وضعف الرقابة الحكومية عليها، خاصةً أن عدد الشركات المستثمرة في السوق السعودي تجاوزت 750 شركة عالمية، مطالباً في الوقت نفسه بوضع ضوابط تحكم البيع، وتسيطر على بيع الأدوية في الصيدليات الأهلية لتجعلها في خدمة المجتمع بشكل أفضل، مؤكداً ضرورة الالتزام بالوصفة الطبية لصرف الأدوية بحيث يحذر تعاطي أي من هذه الأدوية الوصفية للمريض، مثل أدوية القلب، وضغط الدم، والأدوية النفسية دون إذن طبي من قبل طبيب متخصص إضافة إلى الأدوية الجنسية أو المماثلة في الاسم العلمي.

جمعية الصيدلة

وأكد عبدالحليم أن الحد من هذه الظاهرة يكون من خلال جمعية تطوير مهنة الصيدلة بإقامة محاضرات وندوات توعية، خاصة بالمنتسبين إلى هذه المهنة بهدف الارتقاء بمهنة الصيدلة في المملكة والتركيز على أخلاقيات المهنة، وكيفية الممارسة السليمة والتعريف بلوائح وأنظمة وزارة الصحة الخاصة بمهنة الصيدلة لتحقيق الأداء الجيد في هذا القطاع الحيوي.

الصحة لا تجيب…

ولم تتلق «الشرق» حتى لحظة إعداد التحقيق رداً من الناطق الإعلامي بصحة جازان محمد الصميلي على عدد من الاستفسارات بخصوص دورهم في مراقبة ظاهرة صرف الأدوية دون وصفة طبية، وكيفية ضبط بيع الأدوية الوصفية في الصيدليات التجارية التي تدار من قبل مستثمرين، وما هي آليات رصد عمليات البيع غير القانونية في الصيدليات التجارية وطبيعة الغرامات المفروضة على الصيادلة المخالفين للتعليمات، وآليات رصد عمليات السمسرة في قطاع الصيدليات التجارية كـ»تأجير الصيدليات لمستثمرين غير مرخصين…..»..؟؟! رغم المحاولات المتكررة بالاتصال عليه وإرسال الفاكسات، ووعده بإرسال الرد في أقرب فرصة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧٤) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٢-٠٣-٢٠١٣)