خرجت ألمانيا من الحرب العالمية أنقاضاً، وكذلك سيكون مصير سوريا، فأما ألمانيا فتحررت من النازية. وكذلك سوف تتحرر سوريا من الفاشية البعثية. أذكر منظر النساء في مدن ألمانيا وهن يرفعن الأنقاض ويبنين ألمانيا الجديدة بعد أن جاعوا ثلاث سنوات عجاف، ولم يبقَ ثمة نقد ومال. كان الراتب الأول خمسين ماركاً عام 1948م للعائلة. حين استسلمت ألمانيا للحلفاء عام 1945م كانت حُطام دولة. الشعب في حالة إحباط وانهيار تام. خمسة ملايين معتقل في سيبريا، 10 ملايين قتيل. المدن سويت بالأرض، قوات الجيش الأحمر حملوا معهم المصانع والآلات ودمروا البنية التحتية بشكلٍ كامل، ما بقي من الشعب معظمهم نساء. ولكنهن كنّ أمازونات! حالات الاغتصاب لا نهاية لها(أغلبهن من قبل الجيش الأحمر في برلين). هنا انتشرت فكرة الانتحار، ثم تلتها فكرة النهوض من القاع بقيادة النساء. وفي غيابٍ تام للحكومة بدأت النساء والشيوخ بجمع الأنقاض لإعادة بناء البيوت، كما تم جمع الأوراق والكتب من تحت الأنقاض لفتح المدارس، ثم كتبوا على بقايا الجُدران المحطمة شعارات تبثُ الأمل وتحثُ على العمل :
لا تنتظر حقك، افعل ما تستطيع ازرع الأمل قبل القمح. كانت الفترة من عام 1945م إلى 1955م مرحلة بناء البيوت، بالأمل والإيمان صنعوا النجاح. وسميت النساء نساء الأنقاض (Truemmer Frauen). عام 1954م فازت ألمانيا بكأس العالم وكانت أصابع أقدام اللاعبين تخرج من أحذيتهم المهترئة. الفترة من عام 1955م إلى 1965م كانت مرحلة بناء المصانع، وتكفّل كل رجل أعمال بخمسين شاباً يدربهم و يعلّمهم. ثم جاءت فترة الازدهار المذهلة فلم تكف الأيدي الألمانية عن البناء فتم استيراد العمال الأتراك وكتبوا قيم العمل: جديّة + أمل. الفترة من 1965الى 1975م ظهرت رؤوس الأموال ورجال الأعمال. وفي هذه المرحلة دخلت أنا ألمانيا للتخصص (13 يناير 1975م) وكانت ألمانيا تعيش معجزة أديناور الاقتصادية. وبعد رحيلي من ألمانيا (1982م) توحّدت ألمانيا من جديد وسقط الجدار وأصبحت أقوى اقتصاد أوربي إلى الآن .
هذا الدرس مفيد جداً للشعب السوري في هذه الأيام بعد الخلاص من الفاشية البعثية وبناء سوريا الجديدة.

خالص جلبي
مفكر إنساني يتكلم بلسانين من التراث والمعاصرة، يطير للمستقبل بجناحين من العلم والسلم
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧٤) صفحة (١٦) بتاريخ (٢٢-٠٣-٢٠١٣)