«واجهوا العنف بالرقص.. ارفضوا العنف بالغناء والحب»
بهذه الكلمات، وبرباطة جأش وثبات كبير تحدثت أرملة الشهيد شكري بلعيد زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وأحد الأقطاب المؤسسين البارزين للجبهة الشعبية في تونس. وأكدت بسمة الخلفاوي، التي برزت على الساحة السياسية بصورة أكبر بعد اغتيال زوجها بلعيد في السادس من فبراير 2013، أن العنف لن يولد إلا الحقد والكراهية وعلينا مواجهته وتنفيذ دعوة بلعيد التي أطلقها عشية اغتياله أمام منزله، بعقد مؤتمر وطني من أجل عهد ضد العنف. قالت ذلك في يوم ذكرى الأربعين لاغتيال زوجها وهي تقف أمام قبره في روضة الشهداء وسط عشرات الآلاف الذين امتلأت بهم مقبرة الجلاز بالعاصمة التونسية والشوارع القريبة منها.
قبل ليلة من تظاهرة الأربعين التي صادفت يوم 16 مارس الجاري، زرت بمعية المناضلة الفلسطينية ليلى خالد ولفيف من الشخصيات العربية منزل والد الشهيد شكري العم صالح بلعيد في منطقة جبل الجلود بإحدى ضواحي العاصمة التونسية لتقديم واجب العزاء، وتحدثنا معه وكان هو وابنه عبدالمجيد وأخته نجاة، كأنهم الجبل الذي لا تهزه الريح. انتقلنا بعدها إلى منزل الشهيد، في أحد أحياء العاصمة تونس. أخبرنا رفاق بلعيد عن موقع عملية الاغتيال الجبانة، حيث كان في سيارته أمام المبنى الذي يقطن فيه، فجاءه موتور وسدد إلى جسده عدة رصاصات وتركه جثة هامدة ومضى هاربا على دراجة نارية كانت تنتظره بالقرب من موقع الجريمة. وجدنا طفلتيه وأمهما في قاعة الاستقبال ومعهن أقربائهن ورفاق ورفيقات بلعيد. كان الحديث مقتضبا ومكثفا نظرا للوضع الإنساني الذي حكم أجواء هذه الزيارة الحزينة.
في اليوم التالي، وحيث كان الآلاف يحتشدون في شارع الحبيب بورقيبة، وهو شارع رئيس في العاصمة تونس وتقع فيه وزارة الداخلية، سألت مرافقتي وهي سيدة فاضلة من نفس الحزب الذي ينتمي له شكري بلعيد: كم تقدرين عدد الحضور؟
أجابتني لا أعرف، لكنه أكثر من العدد الذي كان حاضرا يوم هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مضيفة أن عدد الذين حضروا لتشييعه كان مهولا جدا، حيث هب التونسيون عن بكرة أبيهم معلنين رفضهم للاغتيال السياسي الذي يعتبر حالة جديدة في تونس، وكان الغضب لايزال يحفر في نفوسهم حتى بعد عملية الاغتيال بأربعين يوما.
لماذا اغتالوا شكري بلعيد؟
سؤال قد يكون بديهيا في تونس بسبب الاحتقان والتجاذبات التي تشهدها الساحة السياسية. لكنه قد يكون غامضا خارج الحدود. فكما أعرفه، وهو صديق قديم زار البحرين أكثر من مرة ابتداء من عام 2002، والتقيت معه قبل اغتياله بشهرين في المغرب، حيث كنا نحضر مؤتمر حزب المؤتمر الوطني الموحد، فإن بلعيد يمتلك ثقافة موسوعية ولديه قدرة كبيرة على إبهار المتلقي وإقناعه، وكان يصر على كشف الأخطاء مهما كان مصدرها، وكان صادقا مع نفسه ومدافعا عن وجهة نظره باستماتة، ومُطَّلع على دهاليز التنظيمات المتطرفة في تونس ولا يتردد عن كشف خططها ومراميها ومموليها. وكان اغتياله خسارة كبيرة للساحة السياسية التونسية والعربية، بيد أن رحيله المبكر أيقظ التونسيين على حقيقة ما يُخبَّأ لهم في السر من مخططات شيطانية تريد جرجرة البلد إلى الفتنة والعنف وفرض الرأي الواحد بقوة الإرهاب وتخويف المجتمع التونسي الذي يعتبر من أكثر المجتمعات العربية انفتاحا وتسامحا وسلمية، بدليل محدودية الثمن الذي دفعه الشعب وهو ينجز المرحلة الأولى من ثورته.
باغتيال شكري بلعيد، أنجز قاتلوه مهمة صعبة ووجهوا، من خلال دمه الطاهر، رسالة مزدوجة الاتجاه: الأولى للشعب التونسي وقواه الفاعلة، والثانية للمجتمعات العربية وقواها الفاعلة، مفادها يتركز في أن حقبة جديدة من التصفيات الجسدية سوف تتم بالطريقة التي تمت بحق بلعيد، وأن أي معارضة سيتم التعاطي معها بهذه الطريقة الإرهابية المدقعة في رجعيتها ودمويتها من أجل خلق واقع جديد من الإرهاب وإخماد المعارضين السياسيين، ومن أجل إشاعة الفوضى الخلاقة التي بدأت بالعراق وامتدت إلى عديد من الأقطار العربية. فالإرهابيون يرون أن خطوة كهذه هي ضرورية لتكريس عملية السيطرة والقفز على تضحيات الناس ومصادرة مكتسباتهم التي تحققت بتضحيات كبرى وحرفها عن مسارها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي خرجوا من أجل تغييره.
أمام رفاق بلعيد في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وفي الجبهة الشعبية التي كان أحد زعمائها البارزين، فرصة ثمينة لاستثمار هذه الجريمة وتحويل الحزن إلى معطيات لصالح الشعب التونسي المحاصر في لقمة عيشه وفي تداعيات ثورته وكأن الذين يحاصرونه يريدون معاقبته على تفجير ثورات الربيع العربي التي انتشرت كالنار في الهشيم. فرصة رفاق بلعيد تتكثف في قول والده العم صالح في مهرجان الأربعين عندما قال «إن شكري ليس ابني، بل هو ابن تونس كلها»، وهذا حمل ثقيل يجب التعاطي معه بذكاء شديد.. وهذا التحدي يعني تشكيل الجبهة الشعبية العريضة لإنجاز المرحلة الثانية من الثورة التونسية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧٤) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٢-٠٣-٢٠١٣)