الملتقيات الرسمية، والمؤتمرات العلمية، والفعاليات المتعددة؛ إنما هي مشاريع في ذاتها، تحتاج إلى تمويل طبيعي يكفل لها أداءً طبيعياً متوازناً يحقق الأهداف الموضوعة لها. والطبيعي أن تركز مصروفات مثل هذه الفعاليات على ما هو مهم وضروري وعملي، سواءً للمؤسسات المشاركة أو الأفراد أو الباحثين.
إلا أن واقعنا الرسمي يشير إلى وجود هدر غير مبرر في تمويل هوامش لهذه الفعاليات، فالصرف لا يتوقف عند حدود الضيافة المناسبة للباحثين والمشاركين في الملتقيات والفعاليات، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى من البذخ خارج عن طبيعة عمل القادمين لمشاركات علمية أو ثقافية. أمثلة ذلك اتضحت في التوجيه السامي الذي صدر قبل أسابيع وتلقته وزارتا التعليم العالي والتربية والتعليم، ونبّه إلى وجود نوع من الصرف يخرج عن ميزانيات هذه الفعاليات.
الصرف وصل إلى تنظيم رحلات حج وعمرة وتذاكر سفر وأسلوب إقامة وإعاشة مترف، ولا يمكن تصنيفه على أنه نوع من كرم الضيافة أو آداب إكرام الضيوف. وواقع الأمر أن كثيراً من مظاهر الترف والبذخ يصرخ في كثير من فعالياتنا وملتقياتنا؛ حيث تتحوّل هذه الفعاليات والملتقيات إلى صور متعددة للهدر والتبذير ومخالفة قواعد الصرف الحكومي على المناسبات.
وقد تحوّلت هذه المشكلة إلى ظاهرة تحرص وزارات على تنفيذها ضمن فعالياتها، متحملة أعباء مالية كان يُفترض أن تُصرف في وجوه أكثر منطقية وعملية، بدلاً من اعتبار الرحلات المتعددة والضيافة الباذخة المسرفة جزءاً من النشاط. ولو تمّ توجيه هوامش الصرف على متون البرامج لكان ذلك أقرب إلى الوجاهة والسلامة المحاسبية والقانونية، ناهيك عن ضبط الأمور على إيقاف المسؤولية والأمانة.
كلّ فعالية تُرصد لها ميزانيات هائلة، ولو تمّ تدقيق هذه الميزانيات ـ محاسبياً ـ لاتضح أن هامش المصروفات النثرية التي ليس لها علاقة بالمناسبة يفوق الاحتياجات الفعلية للمناسبة، بما في ذلك استئجار القاعات وتشغيل المناسبة والدعم الفني واللوجستي والخدمات المساندة.
المصروفات الحكومية تخضع لمراقبة شديدة الدقة، وعلى كل مسؤول أن يكون المراقب الأول، لا القائد الذي ينتظر حتى يأتيه توجيه. وعلى ذلك؛ فإن المناسبات الحكومية المختلفة لا يجوز أن تتحول إلى واحدة من قنوات الهدر والصرف الرسمي غير المبرر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٧٦) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٤-٠٣-٢٠١٣)