تحدث الأخطاء الطبية في كل مكان. إنها أخطاء، وطالما هناك عمل؛ فإن هناك خطأً محتملاً حدوثه بين وقت وآخر. إلا أن هناك أخطاءً قاتلة، وثمنها باهظ، وعواقبها مؤلمة، وتبعاتها تمسّ أسراً. وحقل الطب؛ موجود من أجل حماية الصحة ورعاية الحياة. والميزانيات والتقنيات والخبرات البشرية تُسخّر من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في الاهتمام بالحياة البشرية وبذل الجهد لدعمها حتى آخر فرصة من فرص العلاج.
وفي بلادنا تحدث الأخطاء مثلما تحدث في أيّ بلاد أخرى.
لكن الأمر المثير للتساؤل هو تحوّل الخطأ الطبي إلى رحلة طويلة من المراجعات التي تضيع معها الجهود والحقوق. المثير للتساؤل حول الأخطاء الطبية لدينا هو أن الإجراءات ليست مقنعة للناس بشكل كافٍ، وعلى نحو يُصبح الدفاع عن المنظومة الصحية غير مبرّر، خاصة مع تلاحق الأخطاء وسقوط الضحايا وتطاول الإجراءات.
والمثير للتساؤل لدينا هو استمرار البيروقراطية في عملها الذي لا يليق بفاجعة أسرة، أو ألم أم، أو ترمّل امرأة، وتيتّم أطفال. يموت المريض بخطأ طبي؛ فتُفتح التحقيقات، وتجتمع اللجان، وتتراخى الإجراءات، إلى الحدّ الذي تتحوّل المطالبة بالحق إلى فاجعة أخرى يتمّ تقسيطها في جلسات النظر في القضايا.
وما حدث في جازان أمس الأول، ومعه ما حدث في الجبيل أمس، نموذجان سنكون على موعد معهما، فقد توفيت الأولى، وهي ذات الـ 19 ربيعاً، بطريقة رفض ذووها إلا أن يعتبروها خطأ طبياً تجب محاسبة المتسببين فيه. أما الشابة الأخرى فهي في الثلاثين، وقد دخلت غرفة العمليات لإزالة مشكلة تعترض استجابتها للإنجاب، لكنها خرجت من غرفة العمليات بشهادة وفاة مؤلمة.
لن نسبق الأحداث ونسرد التهم، بل أن نتساءل مع من يتساءلون: لماذا تتكاثر الأخطاء الطبية على هذا النحو؟ وعلى هذه الشاكلة؟ وبهذه الطريقة من التقارب الزمني؟
إن المنظومة الطبية لدينا مهددة في مصداقيتها وأدائها وموثوقيتها المهنية، وعلى القائمين عليها أن يوجدوا استراتيجية حقيقية لا ينظر معها المواطن والمقيم إلى المستشفيات على أنها مقابر..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٨٥) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٢-٠٤-٢٠١٣)