خادمات المنازل.. أمهات بـ «الوكالة»

447711.jpg
طباعة التعليقات

جازانأمل مدربا

اختصاصية نفسية: الدور التربوي الذي أوكل للخادمة أدى إلى حالة من الفصام بين الأم والطفل.
طبيبة: ترك أمر المطبخ للخادمة سبب معظم مشكلات النحافة والبدانة لدى الأطفال.
إبراهيم: وُجد أطفال يشيرون بالتثليث على الرأس وجانبي الصدر لأن الخادمات نصرانيات.
الشريف: الاعتماد على الخادمات ظاهرة اجتماعية أفرزتها متغيرات اقتصادية أوجبت خروج المرأة للعمل.

لم يعد دور الخادمة يتمثل في النظافة وترتيب البيت، ومساعدة ربة البيت وبناتها في شؤون المنزل، فقد أضافت كثير من الأسر إلى ذلك مهمة تربية الأطفال ومرافقتهم طوال الوقت، ما كان سببا في وقوعهم في فخ ازدواجية الثقافة والتربية، وأفرز مشكلات، لا نستطيع أن نتلمس كل أطرافها، كنتيجة عكسية أملتها الظروف الاقتصادية التي حققتها المملكة، وكمظهر حضاري يدعو للتفاخر، مما دفع نفسيين ومختصين في علم الاجتماع، وعلماء دين للتحذير من التأثير السلبي المباشر لخدمة المنازل، وخصوصا تلك الفئة التي تختلف عن مجتمعنا في اللغة والثقافة، على الأطفال والأسرة بأكملها، وبينوا أن ذلك التأثير يكون على العادات والأعراف، نتيجة انصراف الطفل عن والديه، وتعلقه بالخادمة، وظهور ذلك جليا في سلوكه، لافتين إلى أن غياب الأسرة المتواصل عن المنزل يؤدي إلى ضعف أساسي في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء (ذكوراً وإناثاً) التي يفترض أن يقوم بها الأب والأم أو حتى كبار السن في الأسرة، كونهم مصادر التوجيه الوحيدة للطفل فيتشرب عادات وتقاليد الآباء والأجداد.

فصام نفسي

وتصف اختصاصية علم النفس إلهام حسن السلبيات الناجمة من الخادمات في شكل علل نفسية قائلة «إن الدور التربوي الذي أوكلته الأم للخادمة هو الذي أوجد السلبيات بل وأدى لحالة من الفصام بين الأم والطفل، فالأم تعامل بطريقة والخادمة بأخرى، ومع الفجوة التي تنشأ من انشغال الأب والأم عن الطفل لا يجد الأخير أمامه سوى الخادمة بديلاً يهيمن على سلوكه ويعوضه فقدانه والديه بطريقة غير مناسبة، فالتنازلات التي تقدمها الأم برضاها وتبتعد فيها عن دورها تتسبب للطفل في انحراف نفسي وأمراض لاسيما فقد الرعاية والحنان الذي يؤثر على العقل الباطن بما لا يمكن نزعه من الخبرات إلا بالعلاج؛ حيث إن مرحلة الطفولة التي تتشكل فيها شخصية الطفل ويسهل فيها الغرس تساعد الطفل على اكتساب كل قيم وثقافات ومكتسبات الخادمة وهي أهم مراحل تكوينه النفسي، وواقع الخادمة البعيد من حيث العقيدة والموروث والخالي من العواطف لا يُورث الطفل سلوكيات تعزز تكوينه النفسي بصورة صحية، وهذا بالتأكيد يؤثر على الطفل مستقبلاً، فسنوات الطفولة والمراهقة هي الأكثر قابلية للتأثير لما لها من تغيرات عقلية وجسمية وانفعالية وجنسية تجعل من وجود عضو غريب على الأسرة بعادات وثقافة ودين مختلف ذا أثر بالغ، ولذلك لابد من الحرص على عدم إتاحة الفرصة للخادمة بالنوم مع الأطفال، فهناك حالات اختناق ونوبات مرضية لا تعرف لها شيئًا، كما أننا لا نضمن أي سلوك سوي أم منحرف يمكن أن يبدر منها في خلوتها معهم.

انحراف الأبناء

وحذرت حسن من ملازمة الخادمات للطفل، حيث إنّها قد تكون سبباً في انحراف الأبناء، مبيّنةً أنّ خدم المنازل يأتون من بلاد بعيدة، يحملون معهم أفكاراً، وعادات، وتقاليد دخيلة تتنافى مع أخلاقيات المجتمع، وقد يتأثر الأبناء بالسلوكيات الخاطئة لهم؛ بسبب الساعات الطويلة التي يقضونها معهن، مشددةً على أنّ الخادمة لا يمكن أن تحل مكان الأم أبداً، فهي ليست أمّا للطفل تدفعها محبته والحرص على تنشئته ليكون صالحاً على رعايته على النحو الأمثل، كما أنّها ليست مؤهلة لتربية الأطفال والاهتمام بهم على الوجه الأكمل، وهناك عدد من الأمور التي قد يتعلمها الطفل من الخادمة، مشيرةً إلى أنّ الطفل ميالٌ لتقليد الآخرين، ويكتسب الصفات والأخلاقيات منهم بسهولة، وكثير من السلوكيات التي تفعلها الخادمة يكررها الأطفال، فقد نجد الأطفال يتكلمون لغة الخادمة؛ مما يؤثر سلباً على النمو اللغوي السليم لديهم، ويكتسب الأطفال من المربيات مفردات لغوية ركيكة، بل إنّ هناك كثيرا من الأطفال يعانون من أمراض الكلام كالتأتأة، والفهاهة، والتلجج الكلامي، إلى جانب أنّ سن الطفولة هو المناسب لتعلم الحلال والحرام، وترسيخ العبادات وممارستها وفق تعاليم الدين الإسلامي، كالأمانة، والصدق، والنظافة، والطهارة، ومن الصعب تعلم هذه الأمور من الخادمات، اللواتي لا يسعفهن وقتهن، ولا عاداتهن، ولا تربيتهن الدينية من تلبيتها لأطفالنا.

صدمة وإحباط

وأشارت اختصاصية علم النفس إلى أنّ الطفل قد يتكلم مع أهله بالعامية، ويتكلم مع الخادمة بلغتها، ثم ينتقل إلى المدرسة ليدرس باللغة الفصحى؛ مما يسبب له صدمة تشعره بالإحباط، وتولد لديه مصاعب في إتقان اللغة الفصحى كتابة وحديثاً، حيث يوجب ذلك الاهتمام بلغة الطفل في مرحلة مبكرة، حتى يمتلك مخزوناً لفظياً، وذلك من خلال مجالسة الطفل وسرد القصص باللغة الفصحى له، ومتابعة التلفاز معه، خاصةً برامج الأطفال الناطقة بالفصحى؛ ليتسنى له تعلم اللغة وفهمها، ناصحةً الأم عند عودتها من العمل بتعويض الأطفال عن العاطفة، والحنان، والاهتمام الذي افتقده طوال فترة غيابها عن البيت، بشكل معتدل غير مفرط، من دون أن تنقل لهم إحساسها بتأنيب الضمير، فتقضي معهم بقية الوقت تتابع دراستهم، وتضمهم، وتحضنهم، وتقبلهم، وتشاركهم لعبهم وهوياتهم.

معاملة حسنة

وتضيف حسن «علينا أن نحسن المعاملة معها فالمعاملة السيئة والظلم والضرب تولد الحقد وعدم الثقة، فعلى الجميع التحلي بالرفق والتشجيع، ونوهت بعدم تسليم الأمهات أمر غذاء الطفل للخادمة؛ لأنها ستلهيه بما هو بعيد عن الطعام الصحي الذي يخلو من الفائدة ويعود عليه بالضرر، وأشارت إلى ما يكتسي الأمهات من سمنة بسبب الراحة والخمول بسبب الخادمات للدرجة التي تتأخر معها الولادة للحوامل نتيجة عدم الحركة، كما أنّ بعض الأطفال يتعرضون للتحرش الجنسي من قبل الخادمات عن طريق اللعب، لافتةً إلى أنّ وضع الخادمة مكان المربية يعزز الاتكالية عن الأطفال والمراهقين، فالخادمة تلبي كل احتياجاتهم؛ مما يجعل منهم اتكاليين، وبالتالي يعجزون عن إدارة شؤونهم -حتى البسيطة منها- بأنفسهم، ولا عجب أن ينعكس هذا السلوك على تصرفاتهم في المدرسة، وعدم قدرتهم على الدراسة بأنفسهم؛ ويؤثر على حياتهم المستقبلية، وإدارتهم لحياتهم، كما أنّ الخادمة غالباً ما تكون متساهلة مع الأطفال، وتحقق لهم كل رغباتهم؛ مما يكسبهم صفة الأنانية، والعناد، والعدوانية، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بالأخطاء، حيث إنّ الخادمة دائماً تتحمل كل أخطائه.

مشكلات صحية

وتصف الدكتورة إيمان محمود – طبيبة عامة – الأثر الصحي السلبي على الأبناء في تكرر نوبات النزلات المعوية ونزلات البرد بسبب فقدان الوعي الصحي للخادمة، وتروي إحدى الحالات التي عرضت عليها عانى فيها طفل صغير من حالة تسلخ شديد في الشق الأيسر من الفك وحروق بالفم، واتضح أنها بسبب مشروب ساخن أعطته إياه الخادمة، إضافة إلى معانتهن من القمل والتهاب قشرة الرأس التي تعتبر عاملاً رئيساً في إصابة الأطفال بفقر الدم، وأشارت إلى أنّ السمات الشخصية للطفل تتأثر بالتخبط الذي تمارسه الخادمة، في ظل غياب الرقابة من الأم، حيث إنّها تهمل دورها في تهيئة العوامل المناسبة للطفل، من خلال التغذية، التي تعتبر من أهم العوامل البيئية المؤثرة في النمو، فالطفل الذي لا يتناول الغذاء المناسب ينمو بشكل بطيء، ويتأثر بذلك الأداء العام للوظائف التي تمكنه من الانخراط مع أقرانه، موضحةً أنّ سوء التغذية له تأثير في نمو الجسد، إذ ينخفض مستوى الطول في فترات الأزمة عندما يكون الغذاء نادراً، وأوضحت أنّ التأثير يختلف حسب المرحلة العمرية، فإذا تعرض الطفل لسوء التغذية في سنواته الأولى تأثر نمو دماغه، وظل أقل نمواً، وأقصر طولاً طيلة حياته بالمقارنة مع أقرانه، الذين تولت أمهاتهم مهمة تغذيتهم بما يناسبهم وأضافت «إن الأم العاملة هي الأكثر استخدامًا للخادمة لذا فمعظم المرضى من الأطفال أمراضهم نتيجة الإهمال وفقدان العاطفة وما يلاقونه من الخادمة من عدم وعي صحي ومعاملة عنيفة تتولد معها عديد من العلل النفسية، وتشير إلى أن معظم مشكلات النحافة والبدانة تلعب فيها الخادمة دورًا كبيرًا خاصة عندما يترك لها أمر الاهتمام بالمطبخ؛ لذا تنصح د. إيمان الأمهات بالمتابعة الذاتية للطعام وتنويعه، وختمت حديثها داعية مكاتب الاستقدام الالتزام بشروط الاستقدام؛ لأنها تلعب دورها في تلافي سلبيات الخادمات.

فلترة سلوكية

ويقول الدكتور والأستاذ المشارك في الدراسات القرآنية بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عادل إبراهيم «إن الأولاد نعمة عظيمة من رب العالمين، ولذلك كان لزاماً على المسلم أن يصون هذه النعمة ويحفظها من الضياع، وذلك لا يكون إلا بتنشئتهم النشأة الصالحة على دين الله -عز وجل-، فدور التربية السليمة يتمثل في حفظ الطفل منذ نعومة أظفاره، فالطفل ينشأ على ما عوده المربي، فلينتبه لمثل هذا الآباء وليعلموا أن وجود السائقين والخدم غير المسلمين خطر على أطفال المسلمين، لما في ذلك من انحراف لتربية الطفل عن دين الفطرة، فعلى المسلم أن يتقي الله -عز وجل- في أولاده، ويرى ضرورة أن يكون إحضار الخدم والسائقين في أضيق الحدود، وعند الحاجة الملحة مع التنبه لخطرهم والشر الذي يترتب على إحضارهم، وإذا كان لابد من إحضارهم ينبغي الحرص على أن يكونوا من المسلمين الذين يظهر عليهم الصلاح والاستقامة والأخلاق الحميدة، وأن يكونوا من كبار السن لبعدهم عن السفه والطيش الذي يكثر بين الشباب، وألا يترك لهم حرية تربية الأطفال كيفما أرادوا، فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فقد يعمد الطفل إلى اكتساب عقيدة الخادمة وفقاً لحالة الالتصاق بها، التي لا تتوقف عند تأديتها مهام الرعاية وتلبية الاحتياجات، بل توكل لها مهمة التربية بشكل كامل، فيتعلم منها الطفل لغة وعادات وسلوكيات ضارة، وهناك حالات وُجد فيها الأطفال يشيرون بعلامة التثليث على الرأس وجانبي الصدر؛ لأن الخادمات نصرانيات، وأثر ذلك على عقيدتهم، يجب على الأسرة أن تقوم بالتصفية (الفلترة)، كلما وجدت سلوكا من الابن يختلف عن سلوك الأسرة، يبدأ التعامل مع الطفل بأساليب تربوية سليمة، لتعديل تلك السلوكيات، ولا يكون ذلك بالتحقير أو التهكم أو العقاب العنيف، وإنما بمزيد من التقارب والحوار».

ظاهرة اجتماعية

ورأت أستاذة علم الاجتماع حنان الشريف «أنّ الاعتماد على الخادمات ظاهرة اجتماعية أفرزتها متغيرات اقتصادية ملحة، أوجبت خروج المرأة للعمل والمساهمة في سد احتياجات الأسرة، في ظل ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الأعباء المادية على رب الأسرة؛ مما أدى إلى الاستعانة بالخادمات لأداء مهام الأم التي قد تتطلب وظيفتها البقاء طويلاً خارج المنزل، بالإضافة إلى عدم وجود أماكن حاضنة بديلة مهيأة لاستقبال الأطفال، وتغطية احتياجاتهم، مبيّنةً أنّ عدم وجود البدائل المناسبة لا يبرر الاعتماد على الخادمات، الذي أصبح يشكل خطراً يهدد الأمن وسلامة الأسر من كافة الجوانب النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، فالخادمة ليست جليسة أو مربية، ونحن من أوكل لها هذا الدور، ولابد للأم من الاهتمام بأبنائها، وإشباع حاجاتهم النفسية، خاصةً حاجتهم للحب، والأمن، وتوثيق الروابط الوجدانية معهم، خصوصاً في سنواتهم الأولى»، معتبرةً أنّ تلك المرحلة تستطيع الأم فيها تشكيل الأطفال وغرس القيم والمبادئ والأخلاقيات في نفوسهم، وفق أسس تربوية صحيحة، وبيئة أسرية متكاملة، حيث إنّ توكيل تلك المهمة للخادمة يعد خطراً على الأبناء ويؤثر في بناء شخصياتهم.

تنظيم الإنجاب

وقالت الشريف «إنّ هناك عوامل ساهمت في ازدياد حجم هذه الظاهرة واستفحالها، مثل عدم تنظيم عملية الإنجاب؛ مما يترتب عليه زيادة عدد أفراد الأسرة، وعجز المرأة عن أداء مهامها بشكل مريح، وتتطلب زيادة تلك الأعباء الاستعانة بالخادمة من دون أن يكون هناك تقنين لمهامها، وتحديد مسؤولياتها في الأسرة، لنجدها بعد فترة وجيزة شغلت الدور الأهم فيها «مكان الأم»، وأضافت «أنّ أسلوب الحياة له دور مهم في منح هذه الظاهرة مساحة ليست بالقليلة في المجتمع، حيث شكّل الاعتماد على الآخر نسيجاً لا يمكن إغفاله في بناء بعض الجوانب الشخصية لدى الأطفال، حتى أن كثيراً من الخادمات يرافقن الأطفال في الأسواق والمطاعم؛ لدرجة أن بعضاً من الأمهات يجعل الطفل يأكل معها وكأنه ابن لها، وهذا الأمر خطير جداً؛ فهو لا يشعر بالولاء لأمه؛ لأن من يطعمه ويلبسه ويهتم بأموره هي تلك الخادمة التي وعى عليها ورافقته حتى أن بعضهم يناديها بالأم، وهذا شيء سلبي جداً، داعية إلى تحديد مهام الخادمة وواجباتها حتى وإن أصبحت شيئاً أساسياً في المنزل، إن الحلول أمام المرأة العاملة قليلة جداً، ولكن الحل الأمثل هو وجود حاضنات في مقر العمل، حيث تهتم به بنفسها، وتزوره في كل وقت، وتجلس معه، وتطمئن عليه».

خادمة تطارد طفلا يلهو بدراجته (الشرق)


… وترافق الأطفال في رحلة للحدائق والمتنزهات (الشرق)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٨٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٤-٠٤-٢٠١٣)