أصبحت الأفئدة تهوي إليها، والقلوب تشتاقها، والأرواح تحنُّ إلى رؤيتها، لأن ذكرها يحرّك القلوب المملوءة حنيناً وشوقاً، إنها مدينة… مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حبَّبها الله تعالى إلى المؤمنين كحبِّهم مكة أو أشدَّ بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لها، فأحبَّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعا إلى حبِّها، فأصبحت في قلب كل مسلم ومسلمة في أي موقع من الأرض، فعن جابر قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً ونظر إلى الشام، فقال: «اللهم أقبلْ بقلوبِهم، ونظر إلى العراق فقال نحو ذلك، ونظر قِبَل كلِّ أُفُق ففعل ذلك، وقال: اللهم ارزقْنا من ثمرات الأرض، وبارك لنا في مُدِّنا وصاعِنا».
لذا؛ فإن المدينة إذا ذُكرت، لها تأثير على النفس، وقد ارتبط حبُّ الوطن بحبِّها اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وحبّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمدينة ثابتٌ قولاً وعملاً؛ حيث روى أنسٌ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قدم من سفر فنظر درجات (بيوتات) المدينة أوضع ناقته، وإن كان على دابَّةٍ حرَّكها من حبِّه لها، وكان إذا أقبل إليها من سفر دعا لها (اللهم اجعل لنا بها قراراً ورزقاً حسناً)، كما أنَّ حبَّه لمكة، وهي المولد والمنشأ ومبعث الرسالة، حبٌ عميق؛ لأنها وطنه، فعندما خرج مهاجراً حزن على مفارقتها وخاطبها قائلاً: «علمتُ أنكِ خير أرض الله وأحبُّ الأرض إلى الله ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، كما قال -صلى الله عليه وسلم- فيها أي: في مكة: «ما أطيبك من بلد، وما أحبك إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرَك»، وكان -صلى الله عليه وسلم- وهو بالمدينة المنورة يسأل عنها فحين قدم أصيل الغفاري -رضي الله عنه- سألته عائشة -رضي الله عنها-: كيف تركت مكة؟ فقال: تركتها وقد أخصبَ جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثِمامُها، وأبشر سِلمُها، فاغرورقت عيناه -صلى الله عليه وسلم- وقال: حسبُك يا أصيل لا تُحزنَّا.
فبكاء النبي -صلى الله عليه وسلم- شوقاً لمكة لأنها وطنه، وهذا دليلٌ على حبّ الوطن وشدة أثر مفارقته في النفس، حيث أثار الحديث مشاعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وحرَّك قلبه المفعم حنيناً وشوقاً. ومع هذا الحبِّ لمكة المكرمة، وهي أهل لذلك إلا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو الله أن يرزقه حبَّ المدينة كحبِّ مكة أو أشدّ، ويظهر والله أعلم أنَّ حبَّه للمدينة أصبح أشدَّ حباً لها من مكة؛ لأنه عندما فتحت مكة المكرمة وخاف الأنصار أن يقيم بها قال لهم -صلى الله عليه وسلم- مطمئناً لهم: المحيا محياكم والممات مماتكم. وذلك ما طبَّقه الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث استأثرت المدينة بجسده الطاهر، وتُعتَبَر البقعة التي دفن بها جسده الطاهر أطهر بقعة في الوجود. ولقد تحقق دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- (اللهم أقبل بقلوبهم)؛ حيث أصبحت طيبة في قلب كل مؤمن ومؤمنة، بل في قلب كل إنسان، فكم من قصائد أرسلت من شعراء المهجر المسيحيين حباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولمدينته:
أَخَذْتُمْ فُؤادِي وهُوَ بَعْضِي فمَا الذي
يَضُرُّكُمُ لَوْ كَانَ عِنْدَكُمُ الكُلُّ

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٨٨) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٥-٠٤-٢٠١٣)