دون مقدمات، أعلن الرئيس السوداني عمر البشير عن عزمه على بدء حوار مع القوى السياسية المعارضة بما فيها تلك التي حملت وتحمل السلاح، وأعلن كذلك عن قرار بالإفراج عن المعتقلين السياسيين. وقد جاءت هذه الخطوة في وقت يشهد فيه السودان اقتتالاً داخلياً منه مباشرة يسهم فيه الجيش ومنه بالوكالة على الحدود مع الدولة الوليدة «جنوب السودان».
في العالم الثالث، ليس هناك مسوغات علمية لكل خطوة سياسية يقدم عليها الحاكم أو يتراجع عن خطوة أعلن هو عنها واعتبرها «فتح الفتوح»، حيث يزداد القوس انشداداً نحو مزيد من الأزمات التي عادة ما تقود إلى الكوارث بسبب المزاجية التي تحكم هذه القرارات والخطوات المفصلة على مقاسات الموقف الآني الذي سرعان ما يتغير مع تغير الطقس أو زيادة الضغط في إحدى جبهات القتال. فليس هناك ثوابت في السياسة العالم ثالثية، بل إن كل ثوابتها متغيرات سريعة يمكن أن تنسف بقرار يأتي بعد منتصف الليل أو نتيجة أمر يدبر بليل ليس فيه قمر.
السودان بجغرافيته المترامية الأطراف والذي كان العرب يتغنون به باعتباره سلة غذائهم، يزداد فيه الجوع والبطالة والفقر والمرض، نظراً للحروب المتتالية التي خاضها في داخله: بين الشمال والجنوب ليولد دولة «داخلية» مجبرة ولو مؤقتاً على تمرير النفط عبر الجارة اللدود، لكن الصراعات والخلافات على الحدود الجديدة ومنابع النفط المحاذية لهذه الحدود أوقفت أكثر من مرة عمليات التصدير لتحرم البلدين من عائدات ورسوم 300 ألف برميل يومياً. هذه العائدات كانت تذهب إلى تمويل الحرب بين الشمال والجنوب طوال السنوات الماضية حتى قبل الانفصال الذي روج له الحزب الحاكم قبل حدوثه بعدة سنوات باعتبار الجنوب عبئاً على الشمال، في حين أن أغلب النفط ينتج فيه.
أما النزيف في إقليم دارفور فقد ازداد تدويلاً، وآخرها مؤتمر المانحين الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة، والذي تقدر إعادة إعمار الإقليم بنحو سبعة مليارات دولار، أعلن المجتمعون توفير 3.6 مليار دولار)، وأن الهدف الآن إعادة نحو مليوني نازح من الإقليم يضافون إلى 3.5 مليون من القاطنين، في الوقت الذي لاتزال المعارك تدور في الإقليم لإجبار الفصائل التي لم توقع على اتفاق الدوحة بالإسراع للتوقيع والمصادقة للبدء في عملية التنمية الاقتصادية والإنسانية في الإقليم المنكوب.
في المقابل، وحيث الحوار يجري في دارفور بالمؤتمرات الدولية وفي الدوحة وبالسلاح في الميدان، كررت الحكومة السودانية عزمها على خوض غمار الحوار مع الجميع، وتعهد نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه أمام مؤتمر المانحين «حرص الحكومة السودانية على جو الحريات والانفتاح السياسي والدعوة لحوار حول الدستور المقبل مع كل الفرقاء حاملي السلاح والمعارضين جميعا للتوصل إلى رؤية وفاقية عبر دستور جديد سيمهد الطريق لمستقبل السودان». هذا التعهد من الرجل الثاني في السودان يعتبر مؤشراً على جدية «ظاهرة» في معالجة الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ عدة سنوات حتى تدحرجت السودان إلى أسفل قائمة الدول في التنمية البشرية لتتبوّء الدولة رقم 184 من أصل 187 دولة، وتواجه أزمات مستفحلة في كل الحقوق والميادين بدءاً من التعليم، حيث تعاني السودان من نسبة أمية تصل 40 %، إلى البطالة وتراجع الدخل الفردي وازدياد حالة الفقر والمجاعة، ما يفرض استنفاراً كبيراً للحفاظ على وحدة الدولة بعد انفصال الجنوب. اتفاق الدوحة ركز على دارفور، ونص على رفع حالة الطوارئ «ورفع الحصانة عن الأشخاص الرسميين إذا طلبتهم العدالة»، وهذه خطوة نوعية تتضمن إقراراً من الحكومة المركزية بوجود أخطاء فادحة على الأقل في معالجة أزمة الإقليم كما تم الاتفاق على إلغاء المحاكم الاستثنائية في دارفور والشروع في بناء الطرق الطويلة التي تربط العاصمة الخرطوم بالإقليم المهمل.
معالم إرخاء القبضة الأمنية بانت في الأحكام المخففة التي أصدرتها مؤخراً المحاكم السودانية على قادة الانقلاب العسكري، والذين حكموا بفترات تتراوح ما بين الخمس سنوات والعزل من الخدمة العسكرية، ما يشير إلى أن الوضع الداخلي يتوجّه إلى تبريد الساحة الأمنية والعسكرية ونزع فتيل الأزمة المتفاقمة التي تكاد أن تقضي على الدولة وتشطرها.
الحوار الوطني يحتاج إلى تنازلات متبادلة، وخصوصاً من الطرف القوي الذي يملك السلطة والثروة والسجون والجيش والسلاح، ولايمكن الطلب من الطرف الذي لايملك كل هذه الأدوات أن يقدم تنازلات لايملكها. فالسودان ليس استثناء من القاعدة العامة، بل هو تأكيد لما يجب على الحكم القيام به للحفاظ على البلاد ومواطنيها والبدء في عملية التنمية الإنسانية الشاملة بما فيها التنمية السياسية التي بدونها لايمكن لأي بلد الإقلاع في الألفية الثالثة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٩٥) صفحة (١٧) بتاريخ (١٢-٠٤-٢٠١٣)