البوطي من منظومة القمر الذي يدور حول شمس السلطة لا يمكن فهمه من خلال الضلال السياسي الذي وقع فيه؛ بل يجب فهمه في منظومة الفكر الذي يحمله. راسلني أخ عنه؟ قلت له إن جغرافية الفكر عند البوطي وخصومه هي من نفس الأكسجين الفكري الذي يتنشقه من يعيش على كوكب الأرض، ولكن لو تم الانتقال إلى كوكب مختلف فلربما تنفس أحياؤه غاز الميتان أو الفلور أو الكبريت.. لا نعرف؟ فقد تم اكتشاف فوهات كبريتية ساخنة تعيش حولها الكائنات في أعماق المحيطات. لذا فالخصومة هنا سياسية، وليست في نظام الفكر الذي يحمله البوطي أو خصومه، وهذا في غاية الأهمية. البوطي أعرفه جيدا، وأعرف كتبه أكثر، وليس غريبا علي أن يقف موقفه الذي وقفه، والذي أرداه فأصبح من الخاسرين. حين أرسلت هذه الفكرة المقتضبة إلى أحدهم في النت سألني ما هي الحداثة؟ أذكر جيدا من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حين حرمه الملك فردريك أن يدلي برأي في مسألة، حين كتب رسالته في التنوير (بالألمانية = Die Aufklaerung). كان الرجل قد كتب قبل ذلك نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، فلم يثر الضجة التي أثارتها رسالته هذه. السبب أنه مس العصب الديني من الفكر السائد في ذلك الوقت. الحداثة بدأت من هنا، من عصر التنوير (بالفرنسية يسمونه رينسانس). كانت البداءات مع حريق جيوردانو برونو في 17 من فبراير 1600م من أجل حرية التعبير، وكان هذا الحريق النور الذي أضاء أوروبا. الحداثة هي انقلاب في الفكر، يتلوه ولادة علمية غير محدودة، بعدها تنبع التكنولوجيا من عالم الأشياء والمخترعات من دون حدود. هذا رزقنا ماله من نفاد.

خالص جلبي
مفكر إنساني يتكلم بلسانين من التراث والمعاصرة، يطير للمستقبل بجناحين من العلم والسلم
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٠١) صفحة (١٦) بتاريخ (١٨-٠٤-٢٠١٣)