لا يختلف اثنان بأن ما يجري في المنطقة هو خلط أوراق لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية وتشكيل جديد لقوى قُطرية وإقليمية قد تتمكن من تشكيل عامل حاسم في منطقة تعاني من الرخاوة في تركيباتها الداخلية وفي علاقاتها البينية الملتبسة، وكذلك في علاقاتها الدولية التي تبدو ظاهرا واضحة إلا أنها في واقع الحال شديدة الضبابية.
المشهد الحالي يشير إلى أن أغلب الدول التي هبت عليها رياح الربيع العربي تعاني من تداعيات هذه الرياح ومن أوضاع متردية في الأداء الاقتصادي والسياسي، ليس بسبب ذاتي قح، بل لأسباب تتعلق باستحقاقات إقليمية ودولية. وقصة مصر مع دَين صندوق النقد الدولي هي أحد الأدلة التي تقدم برهانا مهما على كيفية التعاطي الدولي والإقليمي مع أكبر دولة عصفت بها رياح الربيع العربي ولم تتمكن قواها الداخلية من إعادة تركيب المفاصل الضرورية لقيام الجمهورية الثالثة ما بعد حسني مبارك.
قد يكون السبب اقتصاديا ذا صلة بتبعات سقوط إمبراطورية مبارك المالية القائمة على الفساد الإداري والمالي والمدعومة بحزب «وطني» فاسدة عناصره القيادية حتى النخاع، لكن الوضع السياسي بعد ثورة 25 يناير أكبر من الحزب الوطني المنحل وأكبر أيضا من حركة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة الذي يقود مصر من مأزق سياسي إلى آخر اجتماعي واقتصادي حتى تم تصوير الثورة أنها وبال على المصريين وعليهم التوبة عنها!!
مصر، باعتبارها قلب العروبة النابض وثقلها البشري والجيوسياسي، تسعى لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران والاستفادة من الثقل البشري في تحريك القطاع السياحي المنكمش والمحاصر بعد عزل الرئيس السابق. بالنسبة لإيران، ثمة فرصة كبرى لإحداث اختراق سياسي في أكبر بلد عربي له تأثيراته الجغرافية والنفسية في المنطقة، ومصر بلد يحاكي إيران في عدد السكان (نحو 90 مليون نسمة في مصر ومثلها في إيران). بيد أن إيران تتمتع بنعمة النفط الذي تنتج منه نحو 3 ملايين برميل يوميا تقلصت مع الحصار الغربي المفروض عليها وعلى بيع نفطها، وما تبع ذلك من تراجع في سعر صرف العملة الإيرانية (الريال) بنسبة تزيد على 30%، ونسبة بطالة تتصاعد مع تشديد حصار تصدير النفط. لكنها بعد أكثر من ثلاثة عقود على إسقاط شاه إيران خبرت طرق عدة للإنتاج الذاتي بما فيه بعض مواطن التصنيع. وهي داخليا ليست كتلة صماء حتى داخل مجمع ولاية الفقيه، حيث الرؤى تصل في أحيان كثيرة إلى التصادم مع الولي الفقيه. طهران، وهي تمارس لعبة الاختراق الإقليمي لاتجد نفسها مجبرة على التنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، شأنها في ذلك شأن كل دول العالم، بما فيها الكيان الصهيوني الذي يتذكر العرب قصته مع المفاعل النووي العراقي في العام 1981، وهي قلقة من إعادة التجربة مع مفاعل بوشهر النووي.
هذا الوضع يوازيه تبعات الحصار الذي يولد فقرا وهذا يولد انحرافا يخلق أرضية خصبة للجريمة التي تكون منظمة مع الوقت. وهذا أمر تنظر له طهران بعين القلق والخطورة، خصوصا إزاء قضية تهريب المخدرات من أفغانستان، التي تواجهها القوات الإيرانية بشراسة غير كافية للقضاء على التهريب الذي لايمكن النظر إليه ببراءة، إنما ينبغي النظر إليه من زاوية أكثر انفراجا للتمكن من رؤية المشهد برمته.
طهران اليوم تمسك بعديد من الخيوط في اللعبة الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان وبدرجة أقل في اليمن.
هذه الاختراقات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية تساعد إيران على الخوض في مفاوضات المفاعل النووي الإيراني مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأريحية أكبر كلما زاد اختلاط أوراق اللعبة، بينما تنظر واشنطن لطهران بدرجة عالية من الحذر والترقب، خصوصا بعد تجربة الجيش الأمريكي في العراق والدور الذي لعبته طهران في عملية الانسحاب التي يصفها البعض أنها مهينة.
لكن معطيات الوضع المتردي في البلدان العربية تخدم طهران من حيث أراد الإقليم أو لم يرد.
هذا الوضع غير الضاغط على طهران المتأقلمة مع حصارات متعددة، فهي لاترى نفسها مستعجلة للوصول إلى حل «نووي» في ظل مراوحة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إزاء الوضع في منطقة الشرق الأوسط.
تشكل إيران بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية موقعا مهما يمكنه محاكاة شعوب المناطق والدول الأخرى وهي القادرة على إعادة إنتاج العصر الذهبي للوجود الأمريكي في آسيا الوسطى، ليمتد إلى مناطق الالتهاب في أفغانستان وباكستان.
ربما تشهد المنطقة العربية مزيدا من الشد لتحريك أحجار اللعبة السياسية المسنودة بأوضاع أمنية وعسكرية مأزومة في سلسلة مناطق النفوذ الإيراني، لكن مركز الحراك يقبع هناك حيث العين الدولية شاخصة صوب طهران وبوشهر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٠٢) صفحة (١٩) بتاريخ (١٩-٠٤-٢٠١٣)