لايزعجنّكم العنوان (حاجر والمحاجر) لكونه قد تكررت به مشتقات الصخور، إن العنوان (حاجر والمحاجر) أرقّ من العنوان (القلوب الرحيمة) لمن يعرف أسماء وأهمية المواقع لمدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فقد ولّدت تلك المواقع الأدبيات الأولى لغرس حبّ المدينة، وكلمة حاجر جزءٌ من الحرة الغربية (حرة الوبرة) وهي (أي: حرة الوبرة) إحدى اللابتين المذكورتين في الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم (إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين)، وتحيط من جميع جهات المدينة المنورة عدا الشمال مجموعة من الحرار -جمع حرة- ومن تلك الحرار اللابة الغربية (حرة الوبرة)، واللابة الشرقية (حرة واقم)، ومن الجنوب الغربي حرة بني بياضة، ومن الجنوب الشرقي حرة شوران تتصل بها حرة بني قريظة التي تتصل بحرة واقم، من يتتبّع أسماء المواقع للمدينة المنورة يجد بأن لكل جزء في طيبة الطيبة له مسمى تاريخي، مهما صغر ذلك الجزء، وقد تغنّى بذلك الشعراء وكتب عنه الأدباء، سواءً استوطنوه أو سمعوا عنه، ومعلومٌ أن حبّ المواقع والحنين إليها يولّد الشعر الرقيق والأسلوب الرائع والأدب الرفيع؛ فحبّ الإنسان لأهله، ومنزله، وموطنه، وحنينه إلى ذلك، يعد من رقة القلب، وسلامة الصدر، ويقظة الضمير، والفطرة السليمة، فانظروا إلى قول المحبّ: (إذا قيل العقيق وحاجر، اشتدّ الشوق وسالت الدموعُ من المحاجر) ذلك لأنّ من قال تلك العبارة سكن العقيق وحاجرٌ قريبٌة منه وتنتهي إليه، فعبّر عن شوقه بالدموع، والعقيق أحد الأودية الشهيرة بالمدينة المنورة تغنّى به الشعراء كثيراً، والمحاجر التي وردت مع العقيق هي التي عناها الشاعر في قوله:
احْفَظْ فُؤَادَكَ إِنْ مَرَرْتَ بِحَاجِرٍ
فَظِباؤُهُ مِنْها الظُّبَى بِمَحَاجِرِ
إذاً: المحاجر ما تستقر به العيون، وكم للعيون من سهام للصيد، ولاسيما من تدخل ضمن حورٌ عين فكلمة عين (جمع عيناء) أي: واسعة الأعين، واستشهد بعض محبي الوطن بتلك السهام في مطلع قصيدة وطنية حيث يقول:
أتُراهَا تُحِبُّنِي ميسونُ
أم توهّمتُ والنساء ظنونُ
كَمْ رسولٍ أَرْسَلْتُه لأَبِيْهَا
« ذَبَحَتْهُ تحتَ النِّقَابِ العُيونُ
ومثل هذا الشعر لحبّ الوطن يعمل على ربط الإنسان بحبّ وطنه برباط وثيق لا ينفصم ويولّد العاطفة والحنين إلى وطنه دائماً، وكم ذُكرت حاجر ولاسيما إذا مُطِرَتْ، وقد شاهد الكاتب حاجر أثناء المطر، وكم ولّدت في نفسه من حبٍّ عميق لتلك الصخور السوداء -إي والله- لأن ذلك يُفعم القلب محبةً والنفس سروراً.
وحاجر جزءٌ من حرة الوبرة (الحرة الغربية) كما سبق ذكره، وتبدأ حاجر من (باب العنبرية حالياً) وأرض باب العنبرية تسمى أرض السقيا واستعرض بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج معه لغزوة بدر وردّ بعض صغار الصحابة، وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمدينة بالبركة في هذا الموقع قال صلى الله عليه وسلم (اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وأنّه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه)، وبها (أي: ببداية حاجر حالياً مسجد السقيا داخل بقايا محطة قطار الحجاز ومن هذا الموقع تبدأ حاجر وتنتهي إلى وادي العقيق (بطول 2 كم تقريباً)، وحاجر عبارة عن صخور سوداء صعبة المسلك ولا يوجد بها قديماً ما يشجع على السكن فيها ولكن حُبَّها خَالَطَ قلوبَ المحبِّين -وأنا منهم- ومع أنها صخورٌ سوداء فهي في سويداء القلب وسويداء المُقلة، قال أحدهم:
قدْ سَكَنْتُمْ مِنَ الفُؤَادِ سُوَيْدَاهُ
وَمِنْ مُقْلَتِي سَوَاءَ السَّوَادِ
مثل هذه الكلمات عن أجزاء المدينة المنورة ترقق القلب وتدخل الحبّ في كل مسلم ومسلمة لهذه المدينة مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم، كما تولّد الكلمات العذبة لمن أراد أن يكتب عنها أو عن السيرة المكانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثّلها المدينة المنورة وهي بالتالي تحقق حبّ الوطن لكلّ فئات المواطنين، سواءً كانوا مثقفين أو غير مثقفين، كما يستثير حبّ المدينة العلماء والشعراء رجالاً ونساءً إلى توسعة هذا الحب ليشمل الوطن الغالي كاملاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٠٤) صفحة (١٦) بتاريخ (٢١-٠٤-٢٠١٣)