بعد أكثر من أسبوعين على اختيار تمام سلام رئيسا لحكومة لبنانية جديدة، ورغم أن معظم القوى السياسية، والأطراف اللبنانية، اتفقت بسرعة قياسية على شخص سلام، ونال أغلبية كبيرة في البرلمان، ربما لم يحصل عليها رئيس حكومة من قبل، إلا أن ذلك لم يقدم لسلام أية تسهيلات في تشكيل الحكومة أو تجاوز العقبات التي تعترضه، ومراقبو الشأن اللبناني يرون أن من وافق على ترؤس سلام للحكومة من الخصوم يعرفون تماما أنهم قادرون على إفشاله، ما لم تؤخذ مصالحهم في الحسبان، وهذه المعادلة تبدو سهلة للوهلة الأولى، طالما أن السياسة تكون دائما في خدمة المصالح أو تقاسمها، لكن في لبنان لا يوجد أي شيء سهل، حتى ولو كان تعيين موظف حكومي، والجميع يعلم أن استقالة رئيس الحكومة ميقاتي كانت على خلفية إنهاء خدمة موظف.
الخلافات في لبنان بين القوى السياسية ليست على وظيفة، وليست على حقيبة وزارية، لكنها تظهر على هذا الشكل بين الفرقاء اللبنانيين؛ ليؤكد كل فريق على وجوده، وبعض القوى التي ربطت مصيرها وسياساتها بدول إقليمية، ومصالحها التي لم تعد تنفك عن مصالح تلك الدول، هو الذي يجعل لبنان نهب القوى الإقليمية، ونهب التمزق وغياب الوحدة الوطنية، وحيث إن النظام السوري ساهم إلى درجة كبيرة في تقسيم لبنان سياسيا وطائفيا، وعمقته هذه القوى على مدى عقود، وفي ظل غياب الاعتبارات الوطنية لبعض القوى اللبنانية، لا بد سيقع الخلاف مع مواطنيهم.
القوى اللبنانية بجميع أطيافها تتمحور اليوم في قطبين سياسيين، كلاهما يدرك تماما أن تداعيات الأزمة في سوريا ترمي بثقلها عليهم. قبل سنوات ظن الوطنيون اللبنانيون أنهم سيتخلصون من سيطرة الجار القوي، لكنهم اليوم يصطدمون بالركام الذي خلفه طيلة عقود في بلدهم، وبالركام الذي يخلفه في سوريا، مع اشتداد المعارك هناك، ومع تورط بعض الأطراف اللبنانية، ما زاد الانقسام داخل هذا البلد، ورغم ذلك يدرك اللبنانيون أن حكومة سلام ستخرج إلى النور بالتأكيد، ولو تأخرت بعض الشيء، لكنهم يعرفون أن لبنان لن يتعافى إلا بسقوط الأسد، وانهيار حلف الممانعة الكاذب إلى الأبد، وتدرك القلة المرتبطة بالخارج أن عليها أن تعيش مع مواطنيها، وتدرك أن مصلحة لبنان أولاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٠٥) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٢-٠٤-٢٠١٣)