لقطتان على «اليوتيوب» لفتتا انتباهي، وهما مصورتان في المملكة العربية السعودية عندما اجتاحت السيول بعض مناطقها وخاصة منطقة حائل. الأولى لمجموعة من الشباب يحاولون إنقاذ راكبي سيارة جيب علقت بين السيل الجارف والرصيف المحاذي للشارع، فتطوَّع أحد الشباب وفتح باب السيارة وسحب الراكب، لكن السيل جرف الاثنين معه، وخلال ثوانٍ تحولت سيارة الدفع الرباعي إلى ريشة في النهر الجارف وسط ذهول الموجودين على الرصيف وأسفهم على العجز الذي شل الجميع. أما الصورة الثانية فهي لمواطن سوداني امتلك الشجاعة وربما التدريب اللازم للإنقاذ فنزل في السيل الجارف وأنقذ واحداً من العمالة الآسيوية العاملين في المملكة، وكان فرحاً رغم التعب وهو يتلقى التهاني والإشادة من باقي الشباب.
لاشك في أن ما مرت به المملكة العربية السعودية خلال الأيام الماضية يقترب من الكارثة التي حلت دون مقدمات، فتجاوزت الإمكانات المتوفرة لدى الدولة في مواجهة هكذا أوضاع، الأمر الذي حدا بالمواطنين والمقيمين التطوع لإنقاذ الذين علقوا وسط السيل. وباجتهادات أولية أغلبها لاتملك التدريب اللازم على الإنقاذ، ساهم الناس في إنقاذ أرواح كادت أن تزهق لولا عناية الله ثم مبادرة كثير من الشباب المتحمس للتطوع.
يعرف العمل التطوعي في كثير من المصادر ومنها تعريف موسوعة أركيبيديا بأن «التطوع هو عمل اجتماعي إرادي غير ربحي، دون مقابل أو أجر مادي، يقوم به الأفراد أو الجماعات من أجل تحقيق مصالح مشتركة أو مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين، من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة. سواء كان هذا الجهد مبذولاً بالنفس أو بالمال. وهو حركة اجتماعية تهدف إلى تأكيد التعاون وإبراز الوجه الإنساني والحضاري للعلاقات الاجتماعية وإبراز أهمية التفاني في البذل والعطاء عن طيب خاطر (بدون إكراه أو إجبار) في سبيل سعادة الآخرين. ويعبر عنه في بعض المجتمعات كانعكاس لوعي المواطن وإدراكه لدوره في المجتمع وبالتالي انتمائه لهذا المجتمع».
وفي هذا السياق، يمكن فهم رغبة سكان المجتمعات المتقدمة للعمل التطوعي خصوصاً وأن المؤشرات تفيد بأن ستة من أصل عشرة من الذين قاموا بالعمل التطوعي يؤكدون أنهم تحصلوا واكتسبوا مهارات ومعرفة جديدة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك أكثر من مليون ونصف المليون مؤسسة تطوعية، وتُعد الأكبر على المستوى العالمي، وتوجد في فرنسا نحو 600 ألف مؤسسة، وفي بريطانيا نحو 350 مؤسسة تطوعية. ويشكل دخل القطاع التطوعي في أمريكا مبالغ تُعد فلكية في العالم الثالث، إذ تزيد على 650 مليار دولار أمريكي في السنة، وأن نحو 70 % من الأسر تبادر للتبرع، وأن 55 % من السكان ينخرطون في العمل التطوعي، وأن 110 ملايين شخص يتطوعون سنوياً في أمريكا، يقضون وقتاً تبلغ قيمته المالية نحو 230 مليار دولار سنوياً، وهناك 106 موظفين بأجر يعملون في العمل التطوعي في الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه المعطيات فرضت نفسها على الأرض، ليس في الولايات المتحدة فحسب، إنما في المجتمعات الغربية المتقدمة والدول الصناعية الأخرى مثل اليابان والصين. وهذا الأمر قاد الأمم المتحدة في العام 1985 إلى الاحتفاء بالتطوع وتخصيص يوم عالمي له يصادف الخامس من ديسمبر من كل عام، ويعرف دولياً بيوم التطوع العالمي. في هذا اليوم يقدم الشكر للمتطوعين على الجهود التي يبذلونها وينشر عديد من المقالات والدراسات بهدف توعية الجمهور بالعمل التطوعي وضرورته للمجتمع. وفي العادة يتم تنظيم الاحتفاء بهذا اليوم من قبل مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية (NGOs)، حيث تنعم الدول المتقدمة بمؤسسات كثيرة تنعي بكل القطاعات المجتمعية وترنو إلى رفع تطور المجتمع وتقدمه دون تدخل من الحكومات، حيث ينظم القانون عمل هذه المؤسسات، بخلاف ما يحدث في المجتمعات العربية التي تسعى أغلب أنظمتها إلى وأد العمل التطوعي من خلال تشكيل مؤسسات مجتمعية تابعة للنظم السياسية، الأمر الذي يفقد الإنسان فيها حافزه ويتحول إلى باحث عن المكرمات والغنائم التي يمكن جلبها من العمل التطوعي كقطاع إضافي للقطاعات المنتجة الأخرى التي يتم استغلالها. وهنا يكمن أحد أسرار انكفاء المواطن العربي عن العمل التطوعي، رغم أن الدين الحنيف يحث على التطوع وعمل الخير، حيث يؤكد الحديث الشريف أن «:أحب الناس إلى الله انفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دينًا، أو يطرد عنه جوعًا..».
إن بعض الإحصاءات تكشف تردي واقع العمل التطوعي في الوطن العربي رغم الرغبات الفردية لدى الأشخاص. وأن إطلاله على بعض مواطن التطوع في البلدان العربية تشير إلى أن أكبر موقع إلكتروني مسجل فيه الراغبون للتطوع لايصل العدد الإجمالي من المتطوعين العرب خمسين ألف متطوع يمثلون 22 بلداً وعدد سكانها قرابة 300 مليون نسمة!!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥١٦) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٣-٠٥-٢٠١٣)