تكتنف الأهالي حالتان عند هطول الأمطار، إما الاستمتاع بها، وتحسس جمال وروعة الشلالات المائية التي تنسكب كقلائد الفضة من أعالي الجبال في صورة بانورامية مدهشة، مما يزيد من فيض البهجة ومساحات الفرح، ليتوجه الناس إلى الله بالدعاء أن يرزق البلاد والعباد أمطار خير وبركة، وإما الخوف والرعب ممّا تسببه من كوارث ومآسٍ كجرف السيارات ومَن بها، حيث تتلقفهم السيول العصية، وتقذف بهم في أتون الموت، وهذا الذي شاهدناه وقرأنا كثيرا عنه، وقد كانت السيول سببا في ذلك. ومثلما يفرح البعض بهطول الأمطار، نجد أن آخرين يضعون أيديهم على قلوبهم قلقا وخوفا مما قد تسببه من كوارث، يذهب ضحيتها كثيرون، كما حدث في أمطار أربعاء مدينة جدة، فقد تحولت الشوارع إلى بحيرات وأنهار، والسبب في ذلك ليست الأمطار فقط بل وسوء تصريف المياه أيضا بسبب إعاقة مسارها، سواء بمشاريع أومخططات، كان هدفها الربح المادي دون اعتبار لما قد ينجم عنها.
إذاً السيد «مطر» هو الكاشف الأول للفساد، ولولاه لبقي الفُسّاد يعيثون في الأرض نهبا للأموال واستغلالا للأراضي. والمطر نعمة كبرى للكشف عن سوء الأعمال وخزي التصرفات، لذا نقول شكرا للمطر، الذي كان صريحا وواضحا ومطلوبا لخلع أقنعةٍ، إلا أننا كنا نتمنى أن يجيء لنستمتع به، وليسقي الزرع، ويروي الآبار، وينعش الأرض اخضرارا. ولمّا كان المطر هو المحفز الأول لرجال الدفاع المدني، حيث يهبّون عند أول قطرة مطر تسقط، فإن آلياتهم تعجز في بعض الأحيان عن تلبية استغاثات الأهالي بسبب الأمطار، ما يدفع بعض المواطنين والمقيمين إلى التطوع تلقائيا لإنقاذ طفل غرير أو مسن محتاج أو امرأة عاجزة، وهذا ما كشفته وسائل التواصل الحديثة، ومقابل هذا العمل الجليل فإن هناك جوانب مؤلمة، فالبعض من منطلق العاطفة الجياشة، والشهامة الأبية، يحاول القيام بأعمال «إنقاذية» إلا أن غزارة السيول الجارفة، تجعله يجد نفسه أحيانا في وضع صعب، حيث لا يستطيع إنقاذ نفسه فكيف بالآخرين، وهنا تكون الكارثة مضاعفة، ونهايتها مؤلمة، والسبب في عدم قدرته على الإنقاذ، قلة خبرته، وضعف تمرسه هذا العمل، الذي يحتاج إلى تدريب لمواجهة الكوارث، فضلا عن احتياجه آلات مساندة، إلا أن هناك مَن يزداد حماسه، فيقحم نفسه تلبية لحس إنساني عظيم، وربما لعدم وجود رجال الدفاع المدني في نفس اللحظة، لاتساع مساحة المملكة، وتباعد أوديتها وشعابها، ومفاجآت السيول، وتحرك مساراتها في مواضع بعيدة عن مكان هطولها، خصوصا في الساحل الغربي، حيث تنتقل السيول من سفوح جبال السراة مرورا بسهل تهامة وصولا إلى البحر الأحمر.
ورغم أن المنقذ يحتاج إلى خبرة وممارسة وتدريب إلا أن بعض المتطوعين يَهِبُون أنفسهم وأرواحهم من أجل القيام بعملية الإنقاذ، وقد يكون ذلك في وقت حرج يلمح فيه – المتطوع – بريقا يلمع في عيني محتاج للإغاثة فيقذف بنفسه عندها لإنقاذه.
وأظن أن تلك المبادرات والتضحيات، التي يقوم بها البعض، تحتاج إلى إدراك كامل لخطورتها، ما يتطلب فتح باب التدريب على القيام بعمليات الإنقاذ في المدارس الثانوية والجامعية، حيث سينخرط «باعتقادي» كثيرون فيها لسببين أولهما: احتساب الأجر عند الله، والثاني الطبيعة الإنسانية التي تتوق إلى تقديم العون والمساعدة لمَن يحتاج، ذلك لأن الحس الإنساني العظيم يتجذّر في أوردة المواطنين والمقيمين. هذا هو المطر، الذي يأتي في فترات متباعدة، ويترك أسئلة معلقة ليس فقط فيما قد يخلّفه من ضحايا، بل وفي المشاريع الإسفنجية التي تذوب مع أول رشقة مطر وكأنها صُممت لفترة قصيرة، فالطريق الذي يتوقع مرور مياه السيول منه أو عليه لماذا لا تقوم وزارة النقل بتنفيذ عبّارات فيه تساعد على مرور المياه وتمنع جرف الطبقة الإسفلتية؟ وكذلك الحال بالنسبة للسدود الكبيرة، لماذا لا تُبنى بمواصفات هندسية عالية لتقاوم اندفاع المياه كيلا تتهدم مثلما حدث مع سد شرق جدة، الذي حوّل شارع جاك إلى نهر جارٍ. ألم أقل إن المطر يأتي ليطرح أسئلته القلقة، ويذهب ليعود مرة ثانية، ليتأكد إلى أي مدى تمكّنا من استيعاب وفهم الإجابة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥١٦) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٣-٠٥-٢٠١٣)