يسأل المتابع لما يجري في دول الربيع العربي: هل بات التعايش بين التيارين الإسلامي والمدني مستحيلاً؟ وما هي نهاية هذا الصراع المزعج؟ بمعنى: هل ستتصاعد وتيرته وصولاً إلى ما هو أسوأ؟
وتعكس هذه التساؤلات ضيق الرأي العام العربي من استمرار هذه الخلافات التي تنتقل من دولة إلى أخرى في المنطقة عاصفةً بمحاولات إرساء الاستقرار ومهددةً عملية التغيير برمَّتها.
لقد فوجئت غالبية القوى السياسية الكلاسيكية في الدول العربية بسقوط أنظمة الحكم، هكذا دون أن تكون استعدت للمرحلة التالية، لا هي استعدت للتفاهم فيما بينها، ولا هي استعدت بحلول اقتصادية واجتماعية تنهي أزمات الشعوب، باختصار لم تكن تتوقع قيام الثورات، فلما قامت وجدت نفسها تتصارع فيما بينها في ظل غياب ما يمكن وصفه بـ «عقد سياسي».
في السودان، عاش السياسيون هذه الأجواء من الفُرقَة «الضارة» مرتين، الأولى في الستينيات «ثورة أكتوبر» وفي الثمانينيات «انتفاضة إبريل»، قامت ثورتان في هذا البلد سبقتا الربيع العربي بعقود، لكن عدم الاتفاق على مشروع واضح يقود مرحلة ما بعد حدوث التغيير أدى إلى نتائج مختلفة.
لكن بالتأكيد هناك مخرج، في أقصى مرحلة تصلها الصراعات يمكن تلمُّس ضوء، هذه الحقيقة يدركها قادة الحروب فما بالنا بالخلافات السياسية، الحرب أسهل من السلام، والصراع أسهل من التوافق، لكن بناء هذا الأخير ممكن.
إن الحاجة باتت ملحة لإيجاد إطار للتعاطي بين الإسلاميين والمدنيين، المعسكرين الأيديولوجيين الأكبر في المنطقة، حتى في غير دول الربيع العربي، وهي عملية ينبغي أن يقودها منظِّرو هذه التيارات انطلاقاً من قدرتهم على التأثير على أنصارهم وعلى ضبط إيقاع الممارسة السياسية.
إن إيجاد هذا النوع من التفاهمات يعد المهمة الأكثر إلحاحاً الآن، وهي تحمل في طياتها توافقات تتعلق بقوانين الانتخابات، قواعد تداول السلطة، وطريقة صياغة الدساتير وتعريف «العدالة الاجتماعية» وغيرها من القضايا الخلافية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥١٦) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٣-٠٥-٢٠١٣)