أعرف منطقة الجوف من خلال دراستي في قسم الجغرافيا في جامعة الملك عبدالعزيز، و استمريت لما يزيد على عشرين عاماً و أنا أدرّس المواضع الجغرافية في الجزيرة العربية، ومن بينها منطقة الجوف، إلا أنني أشعر بحزن كبير في مرور سنوات طوال ولم أرتِّب لزيارة مناطق المملكة، ومن بينها (الجوف)، وهذا خلل في مفاهيمنا السياحية، حيث نولي السياحة الخارجية جل اهتمامنا وأموالنا، في حين يوجد في وطننا مواضع تحتاج إلى زيارة من أجل التعرف عليها، خصوصاً إذا كانت تضم مواقع موغلة في التاريخ .
وهاهي الجوف تبدّت لي وأنا على متن الطائرة .. تبدت كزهرة نضرة تحف بها قطيفة حمراء «رمال النفوذ» و اندهشت كيف لهذه المدينة أن تنمو على حافة صحراء جافة، إلا أن ثمة أسباباً أدت إلى استقرار الإنسان في الجوف، وعرفت أنها من أقدم مناطق الاستيطان البشري في قارة آسيا، وقد ورد ذكرها في العهد الآشوري بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وبعض الباحثين يقول إن رسم الكتابة بخط الجزم انتقل إلى مكة المكرمة عبر دومة الجندل بواسطة بشر بن عبدالملك شقيق الأكيدر ملك دومة الجندل.
والجوف بلد معطاء زراعياً، فهو منتج لمحصول الزيتون والذي يقدر عدد أشجاره بنحو 14 مليون شجرة فضلاً عن النخيل و الفواكه.
وما أن هبطت الطائرة بمدرج مطار الجوف حتى كان في استقبال ضيوف ملتقى سوق دومة الجندل رئيس النادي الخلوق الدكتور محمد الصالح ونائبة الأستاذ ثامر المحيسن وعدد من منسوبي النادي من الطلاب الكرماء من كلية الهندسة بجامعة الجوف.
موعد حفل الافتتاح كان بعد مغرب يوم الأحد تحت رعاية سمو أمير المنطقة و حضور وكيل الإمارة و وكيل الوزارة للشؤون الثقافية الدكتور ناصر الحجيلان ونخبة من المثقفين والمثقفات والأكاديميين والأكاديميات.
ابتهج الجميع بالعرض الوثائقي عن السوق والمسرحية أيضاً، التي عرضها عدد من الطلاب، تحت عنوان: «دومة الجندل .. التاريخ و الحضارة»، أعقبها أوبريت بعنوان «المكان والمكانة» واختتم الحفل بتكريم عدد من الشخصيات الفاعلة في المجتمع الجوفي.
وصباح اليوم الثاني كان ندياً عابقاً زاخراً بالمعلومات الثرية عن السوق، قدمت الإعلامية سكينة المشيخص ورقة تحت عنوان « الثقافة والأدب في السوق العربي التاريخي» وورقة أخرى للشاعر غازي خيران بعنوان « سوق دومة الجندل .. عبق الماضي و إشراقة المستقبل» لتتختم الجلسة التي شرفتُ بإدارتها بكثير من المداخلات الواعية من الحاضرين ومن بينهم رئيس اللجنة الثقافية بمهرجان الجنادرية الأستاذ: حسن خليل، ورئيس نادي حائل الدكتور: نايف الشمري، والدكتور ناصر هلال، والشاعر محمد الجلواح، وآخرين ذاكرتي لم تسترجع الأسماء لذا أعتذر منهم.
و استنتجت كغيري بأن السوق عند إقامته سيحقق حزمة من الأهداف، كتشجيع الباحثين في عملية التوثيق التاريخي، والأثري للحياة التي عاشها السكان في الماضي، وربط الماضي التليد بالحاضر البهي وصولاً إلى مستقبل واعد إن شاء الله.
والسوق عند تنظيم فعالياته، سيكون داعماً للسياحة في الجوف بشكل خاص والوطن بشكل عام، وما يترتب على ذلك من تعزيز للمورد الاقتصادي على اعتبار أن السياحة صناعة بكل ما تعنيه من دلالات، وننتظر أن يصبح السوق مزاراً تراثياً وسياحياً وثقافياً وفكرياً وحضارياً، وهذا الأمل والطموح سيتحقق بهمم وعزيمة أبناء منطقة الجوف.
والمبهج في هذه المنطقة (دار الجوف للعلوم) التي أسسها على نفقته الخاصة أمير الجوف الراحل: عبدالرحمن السديري، والتي تعد أحد أبرز المشاريع الثقافية و الخيرية على امتداد الوطن، و من الأعمال المضيئة التي يجب أن يتحدث عنها الإعلام، وسنواصل الحديث إن شاء الله .

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥١٧) صفحة (١٦) بتاريخ (٠٤-٠٥-٢٠١٣)