لا أكثر تقديراً لرجال الدفاع المدني من اللفتة الملكية بمنحهم راتب شهر مكافأة لجهودهم، هذه اللفتة معنوية أولاً في دلالتها قبل أن تكون ماديّة في أثرها، إذ إنّها أعلنت ظهر أمس بينما الأمطار ما زالت تعمّ البلاد، والمخاوف ما زالت قائمة، ورجال الدفاع المدني في الميدان يكافحون بكلّ قواهم وإمكاناتهم للبحث عن المفقودين وإنقاذ المحتجزين وإيواء المتضررين وتلقّي سيل البلاغات الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ تأسيس جهاز الدفاع المدني، هذه اللفتة الملكية أتت في وقتها المناسب.
ويمكن استنتاج بُعد المسؤولية الإضافي الذي حمله الملك لرجال الدفاع المدني، إذ على الرغم من كل الانتقادات التي طالت جهود الدفاع المدني وحاولت أن تتلاعب على وتر غياب جهود الدفاع المدني في مناطق أو أحداث محددة، فإن هناك تأكيداً على أن هؤلاء الرجال هم المعنيون بالتعامل مع الكوارث، لذا فإن نصائحهم التوعوية التي تصدر لعموم المواطنين لابد أن تُؤخَذ على قدر عالٍ من الأهمية، وتعليماتهم الميدانية نافذة، للحفاظ على الأرواح أولاً.
إن رجال الدفاع المدني لا يتعاملون مع ظروف طبيعية، بل مع وضع كارثي لم يسبق له مثيل، فهم يواجهون واقعاً ميدانياً معقّداً تتداخل فيه أخطاء استراتيجية، مع فساد تنفيذيّ، حيث التصرف بعشوائية في مسارات طبيعية للأودية ومسارات السيول المثبتة جغرافياً وتاريخياً بالتخطيط والبناء وفتح الطرق ووضع السدود بمواصفات هشّة لم تختبرها الطبيعة، وآن وقت اختبارها وقطف ثمرة عشوائيتها.
كل المآسي التي رافقت هذه التجربة الوطنية الأليمة، ستعطي دروساً مهمة يقع على إدارة الدفاع المدني الرفع بتوصياته الملزمة حيالها لمقام خادم الحرمين الشريفين، لوضع أسس حماية مدنية واقعية لاحتياجات المستقبل، تقضي على عشوائية التخطيط وفساد التنفيذ الذي أودى بحياة البشر وضرب مفاصل التنمية، هو ما سيُوجِد أماناً أكثر للمواطنين، الذين ما إن يهطل المطر حتى ترتعد فرائصهم خوفاً وهلعاً. إن التوجيه الملكي الكريم – غير المستغرب – جاء ليؤكد أمرين أساسيين:
الأول: متابعة القيادة لكل ما يحدث لأبناء الوطن، خصوصاً أولئك المنكوبين الذين وجدوا أنفسهم في وجه سيول لا ترحم، والثاني: اعتماد القيادة على مكافأة المُحسن ومن يقوم بعمله في ظروف صعبة على أكمل وجه. لعل حادث السيول كشف لنا مكامن الخلل والفساد، وجعل بعض المشاريع كأوراق خريف، تتساقط بسرعة، لذا فإن الثقة الملكية في هيئات الفساد والوزارات الخدمية التي تُعنى بالسيول يجب أن تترجم إلى واقع، من خلال فضح كل مسؤول ساهم في تمرير مشروع لم يقاوم السيول.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥١٨) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٥-٠٥-٢٠١٣)