عادت موجة العنف المجنونة إلى العراق لتحصد في أسابيع قليلة مئات الأرواح وآلاف الجرحى، وأصبح قوس الأزمة مشدوداً أكثر، في محاكاة مع الاحتراب الداخلي الذي تشهده سوريا، وما تعانيه من تدخلات إقليمية ودولية. وتضع التجاذبات السياسية والطائفية والاثنية بلاد الرافدين على طاولة التشريط والتجزئة وتقسيم البلاد إلى أقاليم على أسس اثنية في الشمال (الأكراد) وطائفية مذهبية في الجنوب (الشيعة) وفي الوسط (السنة). هذا السيناريو يعني في كل الأحوال إنهاء العراق دولة وشعباً وحضارة وشطب دوره في الإقليم العربي، الذي يواجه إعادة تركيب خارطته السياسية والجغرافية على أسس تفتيتية، وليس على أساس أن هذا الوطن الممتد من المحيط إلى الخليج أمة واحدة يلخصها النشيد الشهير «موطني».
تفجر الأوضاع الأمنية والعسكرية والسياسية في العراق لم يكن مفاجأة لأحد من أبنائه على الأقل. فقد كان الاحتقان السياسي يسير بخطى متسارعة نحو المواجهة بين المكونات الرئيسة للمجتمع العراقي، وذلك بسبب التسوية السياسية غير المنصفة التي تمت بعيد سقوط النظام السابق، وكتابة دستور مفصل على المقاسات الطائفية والاثنية التي قادت بطبيعة الحال إلى المواجهة بين التركيبات المجتمعية نظراً لغياب مفهوم الدولة المدنية الحديثة التي ترتكز على المفهوم الدستوري الشهير «الشعب مصدر السلطات جميعاً» وعلى المواطنة المتساوية بين مكونات المجتمع. فقد كانت بداية التفتيت الممنهج، الصورة غير المستقرة والمبهمة للحالة الكردية، التي تشكلت وتبلورت بصورة أكبر أيام الحصار الدولي الذي فرض على العراق أيام النظام السابق، لتتشكل مناطق آمنة في الشمال الكردي الذي اكتوى بالصراع العراقي الإيراني على مدار عقود من الزمن ودفع الأكراد العراقيون أثماناً باهظة توجت باستخدام الأسلحة الكيماوية ضدهم في ثمانينيات القرن الماضي. ومع سقوط النظام السابق كانت الدولة الكردية في طور التشكيل وتعززت مع دستور المحاصصات الذي فرضه حاكم العراق الفعلي آنذاك «بريمر» والجيش الأمريكي على العراقيين، وهو دستور وصفه أغلب المتابعين العراقيين بـ»التفتيتي» الذي يريد إخراج العراق من المعادلة الإقليمية، والموقع الذي كان يتبوأه من خلال تمتعه بقوة في محيطه العربي، فهو في وضعه الطبيعي ينعم بثروات طبيعية هائلة، يأتي في مقدمتها النفط والمياه والتربة الخصبة والمناطق السياحية بما فيها السياحة الدينية.
بسبب حروب النظام السابق، بقي العراق معتمداً بشكل رئيس على النفط الذي يشكل 95% من إجمالي دخله من العملة الصعبة، حيث ينتج في الوقت الراهن ثلاثة ملايين و150 ألف برميل يومياً، حسب تصريحات وزير النفط عبدالكريم لعيبي في شهر مارس الماضي، الذي أشار إلى أن هذا الإنتاج سوف يشهد زيادة في شهري مايو الجاري ويونيو المقبل. لكن الثروة النفطية الهائلة غير قادرة على توفير الخدمات الرئيسة في البلاد مثل: الكهرباء، والماء، والبنى التحتية الرئيسة كالصحة والتعليم والطرق، وذلك بسبب تردي الوضع الأمني وانزلاقه إلى منحدرات خطيرة تنذر باحتراب داخلي على الطريقة السورية، حيث زادت في الآونة الأخيرة عمليات التفجير في عديد من المناطق لتحصد مئات الأرواح، واستمر انسداد أفق الحل السياسي تزامناً مع اشتداد الوضع الأمني والعسكري في سوريا. وبسبب ضعف الحكومة المركزية التي تعاني من فساد متراكم أسهم في تبخر مخصصات التنمية ومواجهة الفقر حسب هيئة النزاهة في العراق، في الوقت الذي أشارت فيه تقارير دولية إلى أن العراق يحتل المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر فساداً، ويفقد بذلك من موازنته العامة ما بين ثمانية – عشرة مليارات دولار سنوياً بسبب الفساد المستشري، ليقبع في المرتبة رقم 178 عالمياً، حسب تقرير منظمة الشفافية العالمية متقدماً فقط على الصومال وميامار. وحسب هيئة النزاهة العراقية أيضاً، فإن هناك 1000 شخص مطلوب القبض عليهم بسبب الفساد، وهم من مستوى مدير عام على الأقل، وينتمون إلى وزارات في الحكومة أهمها وزارتا الداخلية والدفاع اللتان تشكلان موطن الفساد الأكبر ثم وزارات الصحة والمالية والتعليم. وحسب شكاوى هيئة النزاهة، يصعب تقديم الفاسدين للعدالة بسبب وجود المليشيات المسلحة التي تحول دون ذلك. وتشير بعض التقارير إلى أن حجم الفساد في العراق يصل إلى 230 مليار دولار، وهناك أكثر من 25 ألف موظف متورط في الفساد، لدرجة أن وزارة الخارجية الأمريكية وصفت الحالة بأنها «مشكلة مستوطنة وفتاكة»، وهو تعبير يقترب من وصف العراقيين لها، إذ يعدون «الفساد والإرهاب وجهين لعملة واحدة»، وهم مصيبون في هذا الوصف.
وفي الجانب الآخر تستنزف الديون الخارجية وفوائدها عائدات العراق بالرغم من شطب نحو 80% من الديون الخارجية المستحقة على النظام السابق بعد موافقة الحكومة التي أعقبته على شروط صندوق النقد الدولي بتحرير الاقتصاد والتجارة والشروع في خصخصة القطاعات الحيوية بما فيها النفط. ومن المفارقات أن نواباً عراقيين يتهمون الحكومة بعدم معرفتها الحجم الحقيقي للدين الخارجي، بينما تقدره مصادر في البنك الدولي ما بين 57 ملياراً إلى 80 مليار دولار.
الوضع الحالي في العراق ينذر بزلزال لايقتصر عليه، بل يتعدى ذلك إلى الإقليم المثخن بجراحات الاحتراب والصراعات الداخلية التي لا يبدو أن في أفقها ضوءاً في نهاية النفق المظلم، ما لم ترتق أطراف الصراع إلى مستوى بحجم الحفاظ على وحدة العراق ووحدة أراضيه وسيادتها، رغم المؤشرات المقلقة لحالة التفتيت المتواصل داخل المكونات الرئيسة للعملية السياسية نفسها، حيث تشير نتائج الانتخابات على مستوى أغلب المحافظات، إلى أن المكونات التي كانت تمسك بتلابيب العملية السياسية أو تشارك فيها قد أصيبت بأعطاب بالغة، خصوصاً كتلة العراقية التي يتزعمها أياد علاوي، التي حصدت في الانتخابات النيابية أعلى الأصوات والمقاعد في البرلمان لكنها وبسبب الوضع المتفاقم، واجهت انشطارات كبرى قسمتها إلى أربع كتل صغيرة والخامسة في الطريق، وهو الأمر الذي من المرجح أن ينعكس بصورة أكبر في الانتخابات النيابية المقبلة باستمرار حصول قائمة رئيس الوزراء أياد علاوي والقوى المتحالفة معه في الحكومة والبرلمان على الأغلبية المؤهلة لقيادة العراق لفترة انتخابية قادمة.
هذه المؤشرات قد تواجه بعضاً من تدوير الزوايا في المشهد العراقي العام بانتظام الانتخابات في المحافظات التي تعاني من أوضاع أمنية متأزمة، ولم تنتخب ممثليها المحليين بعد، لكنه من المستبعد أن تغير المشهد برمته. فالوضع في العراق لايخضع فقط إلى معادلات داخلية تتحكم فيها القوى المحلية، بل إن قوى الإقليم قد تكون أكثر قدرة من اللاعبين المحليين على توجيه بوصلة العراق نظراً لحجم الوجود المتعدد والكثيف في المشهد العراقي، الذي يبدو أنه يؤسس لحقبة جديدة في منطقة الخليج والجزيرة والإقليم العربي برمته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٢٠) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٧-٠٥-٢٠١٣)