من الطبيعي أن تأخذ تداعيات الاعتداء الصهيوني على مواقع عسكرية ومدنية في سوريا قبل أسبوع أبعاداً متعددة وقراءات متعارضة وفي أحيان متناقضة، نظراً لتوقيت العدوان ورؤية القوى الفاعلة على الساحة السورية وهي كثيرة، محلية وإقليمية ودولية.
في المقلب المحلي، جاء العدوان بعد تزايد الحديث عن استعادة قوات النظام مواقع استراتيجية مهمة ومفصلية على الأرض وخصوصا في منطقة القصير القريبة من حمص المحاذية للحدود اللبنانية، ما يعني فقدان خط تهريب السلاح والمقاتلين القادمين من دول عدة، عربية وغير عربية حتى أصبحت المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية من جيش حر وجبهة نصرة وغيرهما من الفسيفساءات «الجهادية» في وضع مربك، ولم تجد فرصة سانحة لإعادة تجميع القوى أو لخلق وقائع على الأرض السورية استعداداً لمرحلة يحملون بها بعد سقوط النظام وبالتالي إقامة الإمارة الإسلامية التي ينادون بها. هذا الطموح اصطدم مع تطورات الوضع العسكري والأمني على الأرض في الآونة الأخيرة، ومنها مسألة إعلان جبهة النصرة تبعيتها لتنظيم القاعدة ومبايعة زعيمها في العراق، ما شكل إحراجاً للقوى الإقليمية والدولية المضادة للنظام في دمشق.
أما في المقلب الإقليمي فإن الوضع العراقي يشكل ضغوطاً مزدوجة على دول الإقليم، حيث ينحدر العراقيون إلى المربع الأمني بشكل سريع، تزايد مع كثرة التفجيرات الأمنية التي شهدتها مناطق عدة وبوادر إعادة تشكيل خارطة التحالفات السياسية التي ربما يواجه فيها رئيس الحكومة نوري المالكي صعوبات للحصول على الأغلبية النيابية لإبقائه على رأس الحكومة في بغداد. كما أن الوضع اللبناني الهش يسير على رمال متحركة بسرعة شديدة مشدودة باستقطابات الموقف من الأحداث في سوريا وتفاقم الاحتراب الداخلي فيها، حيث يواجه اللبنانيون وقواهم السياسية بقلق شديد، كلُّ من خلال موقعه تطورات الوضع الميداني في المدن السورية، ليس القريبة منها فحسب، إنما أيضا تلك البعيدة عنها. فسوريا ولبنان، وحسب ما كان يردده الزعماء اللبنانيون بمختلف مشاربهم السياسية والأيديولوجية في حقب مختلفة، هم شعب واحد في بلدين بغض النظر عن المواقف الراهنة للقوى المتعاكسة مع نظام دمشق. ويبدو أن أي تطور دراماتيكي، سوف ينعكس أولاً على لبنان قبل غيره من دول الجوار. في هذا المجال تقف طهران مشدودة للحالة السورية والعراقية واللبنانية متحفزة لأي تطور ومراقبة ما يجري على أرض الواقع، وتنظر بقلق إلى استفحال الأزمة وتعمقها.
والأردن الذي يستقبل عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، يواجه هو الآخر استقطابات على ساحته المحلية نظراً لتباين مواقف القوى السياسية من الأزمة في سوريا، وسوف يزداد هذا الاستقطاب مع التطورات على الأرض، ما يضع حكومة النسور التي تشكلت للتو في موقع لا تحسد عليه، أولاً بسبب الواقع الاقتصادي والمعاشي الضاغط على الحكومات المتتالية وخصوصاً الأخيرة، وثانياً بسبب الحالة السياسية العامة في البلدان العربية التي شهدت تغييرات منذ إطلالة الربيع العربي مطلع العام 2011، وخصوصا في موضوع ومفهوم هيبة الدولة.
وإذا كانت القوى الإقليمية تترقب المشهد على الأرض السورية، فإن العواصم الكبرى ترصد التفاصيل على الأرض وفي التصريحات وفي التحالفات بين القوى المعارضة السورية. هناك أربع عواصم دولية كبرى يعنيها المشهد السوري وتطوراته، وهي واشنطن وموسكو وباريس وبكين. الأولى والثانية معنيتان بشكل مباشر بالمصالح والنفوذ. فواشنطن ترى أن الفرصة سانحة للدخول إلى دولة كانت تشكل حجر عثرة أمام تحالفاتها في الإقليم وهي من دول الطوق المعطلة لحلول في شأن القضية الفلسطينية مفصلة على مقاسات الكيان ولها نفوذ كبير في لبنان وتؤثر في الإقليم، فضلاً عن اعتبار الإدارة الأمريكية للوضع المربك في سوريا فرصة لإزاحة نفوذ موسكو وبكين وطهران. أما موسكو فإنها تشعر بإهانات وإحراجات إزاء كثير من المواقف التي تواجهها الآن في دمشق وخصوصا إزاء السلاح الروسي الذي وإن أثبت في المواجهة بين حزب الله والكيان في عدوان 2006 على لبنان، إلا أنها غير قادرة على تبرير الضربات الإسرائيلية العديدة لسلاحها وهو على الأرض والتي تلقتها دمشق خلال السنوات القليلة الماضية. وباريس هي الأخرى معنية بالوضع السوري من الزاوية اللبنانية على الأقل، حيث تعد بيروت جزءا متبقيا من نفوذها لدى المارونية السياسية وبعض القوى المتحالفة معها.
الضربة العسكرية الإسرائيلية خلطت بعض الأوراق لكنها في العمق عبرت عن الموقف الإسرائيلي الحقيقي العدواني ضد كل ما هو عربي بغض النظر عن موقفه السياسي. فهي تسعى لخلق وقائع على الأرض عبر المساعدة في تشكيل دويلات على أسس أيديولوجية دينية تعبد الطريق لاعتراف العالم بيهودية الدولة الصهيونية لتسهل عملية الترانسفير بحق فلسطينيي أراضي الـ 48. وقد كشف العدوان الصهيوني على سوريا الضمور الكبير للجامعة العربية التي عجزت حتى عن التعبير عن شجب خجول، بينما عبرت مواقف الدول العربية في تعاطيها مع العدوان الأخير عن حالة تشرذم لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، حيث التحالفات لم تعد عربية – عربية بل عربية أجنبية ضد تحالفات عربية أجنبية مقابلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٢٣) صفحة (١٤) بتاريخ (١٠-٠٥-٢٠١٣)