برنامج ملتقى سوق دومة الجندل أخذ جانبين أولا: البرنامج الثقافي الذي كان حافلا بالدراسات والأبحاث المتعلقة بالسوق، والمكانة الثقافية والاجتماعية له قبل الإسلام، فضلا عن الأمسيات الشعرية والقراءات النقدية المصاحبة، ثانيا: البرنامج السياحي حيث تمكن ضيوف الملتقى من زيارة المواقع الأثرية والسياحية كقلعة زعبل التاريخية التي تموسقت على تلة جبلية تشرف على مدينة سكاكا، والناظر من ساحة القلعة يلحظ افتراش المدينة مساحة منبسطة تتناغم منازلها الحديثة مع أشجار النخيل الباسقة، راح الجميع يدققون في موجودات القلعة التي تستنطق أسرارا تحتاج إلى تأمل واستكناه الماضي، بعد جولة مليئة بعبق الماضي انعطف الوفد إلى بئر شهيرة ( سيسرا) حُفرت داخل صخر رسوبي، من اسم البئر نبتت فكرة إصدار مجلة تحمل ذات الاسم، والتي لم يبق منها إلا التجويف الحجري ونافذة سفلية تحكي حقبة زمنية مرت عليها مليئة بالإخصاب، ما كان من أسرة (الثلج) إلا استضافة الوفد كعادة ألفوها ليكون شيخهم في مقدمة المستقبلين، الناضح وجهه بالكرم، اللاهج لسانه بالترحاب.
قلعة «زعبل» الأثرية وبئرها«سيسرا» انحفرتا في ذاكرة الزائرين كموقعين أثريين جديرين بالاهتمام، والعناية من الهيئة العليا للسياحة والآثار، إلى جانب الأطلال المتبقية من سوق دومة الجندل بعمارتها الشامخة وآثارها الباقية رغم مرور مئات السنين على بنائها، ومسجد عمر بن الخطاب الذي يُعد أقدم المساجد الأثرية في شمال المملكة.
في المساء استمرت الجلسات المسائية استحضارا للماضي، واستجلاء لمكنونات سوق دومة الجندل الذي كان محورا رئيسا بين عدة أقطار العراق وبلاد الشام من الشمال والجزيرة العربية من الناحية الجنوبية، استمع الحضور لمادتي البحثين اللتين قدمهما الدكتوران محمد المظاهري وإبراهيم الدهون، وكانتا مليئتين بالمعلومات المهمة خصوصا الورقة التي تعرضت للمستشرقين الذين مروا من سوق دومة الجندل في أزمة ماضية وسجلوا انطباعاتهم، وأجاد مدير الندوة الأستاذ حسين خليفة وهو أحد المهتمين بالدراسات التاريخية للسوق بحكم طبيعة عمله (المدير التنفيذي لجهاز السياحة في الجوف) لتتفق المداخلات على أن إحياء السوق ضرورة ثقافية وتراثية وسياحية، خصوصا وأن السوق ليس مكانا فقط بل تاريخ مكتوب ومنطوق. وقال عنه الشيخ حمد الجاسر ( إن السوق لا تقام لمجرد التجارة، بل تتجاوزها إلى أمور اجتماعية عامة، إضافة إلى تبادل المنافع والسلع بين الناس، فإنهم يجتمعون لممارسة بعض الأعمال الدينية، كما أنه كان يجري في السوق إجراء الصلح بين القبائل، وفك الأسرى، والكثير من الأمور الأخرى»
في المساء جاء دور الشعر بمشاركة نخبة من الشعراء الدكتور صالح العوض ومحمد الجلواح وحمدان العنزي وخليفة الشمري أدارها الشاعر والإعلامي محمد الرويلي، وتماهت القصائد بين الافتتان بجمال وأصالة الجوف، وبين جمال الشعر وبهائه فجاءت القصائد منسوجة بخيوط الإبداع لتفضي إلى آذان وعقول المتلقين، وتنساح إلى سماء المدينة.
الشعر راحة للنفوس، واستلهام للحكمة، واستيقاظ لمكنونات الإبداع، وقد أجاد جميع الشعراء لتنتهي الأمسية الفائضة بالروعة باستقبال الضيوف في منزل أسرة ( مفلح الكايد) أحد رجالات الأعمال الذي فتح منزله لضيوف الجوف، كانت لنداوة استقباله وحفاوة ترحيبه وبشاشة وجهه معاني جليلة تدل على ما يتسم به الجوفيون من كرم وحب للضيوف، تلك الليلة انقضت من أيام الملتقى.
في الجوف كل شيء يبهج، هناك أشخاص نذروا أنفسهم في سبيل خدمة المجتمع ومن بينهم أمير الجوف الراحل عبدالرحمن السديري، الذي أسس ومول طور»دار الجوف للعلوم» لتكون مركزا للبحث العلمي والأدبي تتوفر به وسائل الدراسة والأبحاث العصرية بهدف نشر الوعي وخدمة المعرفة والثقافة.
وتُعد المكتبة من أوائل المكتبات العامة في الوطن، كما تُعد أول مكتبة نسائية داخل المملكة، ويعود تاريخ إنشاء مكتبة دار الجوف للعلوم إلى عام 1383 هـ في مدينة سكاكا وتطورت ليصبح اسمها «دار الجوف للعلوم» تتكون من قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء تحتوي على 160 ألف كتاب إضافة إلى ما يزيد على 250 صحيفة ومجلة، وبها أوعية المعلومات ذات قيمة مرتبطة بآثار الجوف، وصور لمخطوطات ووثائق ونقود وطوابع وكتب نادرة، وتضم مجموعة من الوسائل السمعية والبصرية كالأفلام السينمائية والأشرطة والمصغرات الفيلمية والوسائل الإلكترونية التي تربطها ببنك المعلومات في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، والمكتبة بتشكيلها النهائي تُعد مركزا ثقافيا تخدم الثقافة وتعزز القراءة.
ويحتوي المكان على قاعة كبيرة تُنظم بها الأمسيات والندوات فضلا عن مسجد الرحمانية أحد أبرز المعالم المهمة في مدينة الجوف بطرازه المعماري الأنيق المزود بنظام التبريد الطبيعي عن طريق أبراج مخصصة لهذه الوظيفة.
ومضة: بيت شعر أعجبني للشاعرة ملاك الخالدي.
أشرقي يانبضة «الجوف» وياجوف الشمال – أشرقي فالضوء من عينيك أحلى من الخيال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٢٤) صفحة (١٦) بتاريخ (١١-٠٥-٢٠١٣)