اكتشفت بعض الأنظمة العربية أن الحوار بين مكونات المجتمع يمكن أن يشكل مخرجاً ناجعاً للأزمات المستفحلة التي تمر بها البلدان العربية، فبادرت تحت ضغط تبعات الفساد والسلطة المطلقة والفقر والبطالة والعوز والمرض والحراك الشعبي والضغط الخارجي إلى دعوة القوى السياسية الفاعلة إلى الحوار. جزء من هذه الأنظمة شعر بأن التحاور مع المعارضة من شأنه إخراج بلادها من الأزمة الراهنة التي تشكلت على مدار عقود من الزمن بسبب طغيان الرأي الأوحد وتفشي الفساد الإداري والمالي وانتشار الرشى في مؤسسات الدولة، حتى باتت الموازنة العامة للدولة أشبه بعزبة خاصة يتقاسمها المتنفذون والحاشية التي تروّج لاستمرار الوضع الذي تستفيد منه.
وفي المقلب الآخر، لاتزال أنظمة أخرى ترى في الحوار مناورة يمكن استخدامها لاستمرار الحالة القائمة وتمديدها إلى أجل غير مسمى، فتبدأ في صياغات قانونية وسياسية فضفاضة قادرة على الإفلات من أي التزام مستقبلي يصل إليه المتحاورون. هذا النوع من الأنظمة يراهن على تطورات إقليمية تصبّ في صالح وجهة نظره، وعلى شركات العلاقات العامة التي تستنزف من موازنة الدولة عشرات الملايين من الدولارات، لكنها لا تصمد أمام الحقائق الصادمة في الحياة اليومية، رغم محاولاتها لتقطيع الوقت وعرقلة التوجهات الجدية لأطراف تجلس على طاولة الحوار، وذلك في سعي حثيث لإقناع الرأي العام بعدم جدوى استمرار الحوار، وأن الحل العودة إلى السكون وإدارة الأزمات بدلاً من حلها.
يشير د. عبدالله آل مبارك إلى مسألة الحوار، ويرى أن المهتمين بأدبيات التربية يعتقدون «أن الحوار من أهم أدوات التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي تتطلبها الحياة في المجتمع المعاصر، لما له من أثر في تنمية قدرة الأفراد على التفكير المشترك والتحليل والاستدلال، ويعدّ من الأنشطة التي تحرر الإنسان من الانغلاق والانعزالية وتفتح له قنوات للتواصل يكتسب من خلالها مزيداً من المعرفة والوعي، وهو طريقة للتفكير الجماعي والنقد الفكري الذي يؤدي إلى توليد الأفكار والبعد عن الجمود، ويكتسب الحوار أهميته من كونه وسيلة للتآلف والتعاون وبديلاً عن سوء الفهم والتقوقع والتعسف».
والحوار أيضاً هو سلوك حضاري يبلغه المرء أو المجتمع، وهو تعبير عن نضج عقلي يُعلي القيمة الإنسانية للبشر، ويفترض التنوع وعدم النسخ والتبعية، ما يعني احترام عقل الآخر الذي يفترض أنه يتمتع بقوى عقلية قادرة على التحاور والجدل. وتبرز الحاجة للحوار في المجتمع عندما تستفحل الأزمات وتصل أطرافها إلى قناعة بضرورة الخروج من مأزقها. حدث هذا في أيرلندا الشمالية التي عاشت عقوداً من العنف والصراع بين الحكومة المدعومة من الحكومة البريطانية وبين الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي أوجد له ذراعين سياسياً وعسكرياً. وقد توصل الجانبان قبل عدة سنوات إلى خلاصة بضرورة إنهاء الصراع الذي كان عنوانه دينياً بين مذهبين للدين المسيحي: البروتستانت والكاثوليك. وقبل أيام، توصلت الحكومة التركية إلى اتفاق مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، يقضي بانسحاب مقاتلي الحزب إلى خارج الحدود التركية والاستقرار في شمال العراق ذي الغالبية الكردية. وقد تحاورت تركيا مع أوجلان والأخير في سجنه يقضي أحكام المؤبد، إلا أن حاجة الدولة التركية لتسوية الأزمة فرضت معطيات الحوار والحاجة إليه. أما في اليمن فقد انطلق الحوار الوطني بين مكونات المجتمع السياسي والمناطقي والأيديولوجي، حيث أصدر رئيس الجمهورية قراراً بالنظام الداخلي للحوار يكون فيه الحراك الجنوبي الذي ينادي بالانفصال، والحوثيون في محافظة صعدة والمرأة، مشاركين في الحوار الذي قوامه 565 عضواً من مختلف الأحزاب والقوى والفعاليات، ما يعكس درجة الجدية والمفصلية والآمال المعلقة على الحوار في اليمن لإعادة توحيد البلاد على أرضية التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة بعيداً عن الاستئثار بها من أي طرف أو جهة كانت مهما كانت قوتها القبلية والمناطقية والعسكرية. أي السعي الحثيث لتأسيس الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية بين أبناء البلد الواحد. كذلك الوضع في السودان الذي يحاول الخروج من تبعات انتزاع الجنوب منه في دولة جديدة بعد سلسلة حروب كلّفت السودانيين الثروة الوطنية والأرواح التي زُهقت، ناهيك عن الصراع الدائر في أقاليم أخرى، ولاتزال تستنزف السودان وتعلّ التنمية المستدامة، ما قاد إلى إعلان الرئيس عمر البشير البدء في الحوار الوطني بين أقطاب الصراع بمن فيهم أولئك الذين حملوا السلاح في وجه الجيش السوداني، في محاولة لإغلاق ملفات الصراع الدموية التي تعصف بالخرطوم وتهدد الدولة بالتقسيم والتشظي.
الحوار الجاد ذو المغزى والمفضي إلى نتائج هو المخرج لأي أزمة سياسية مستعصية، ولا يمكن للدولة الأمنية أن تحل المشكلات السياسية والمعيشية، فقد تم تجريب الحلول الأمنية في كثير من الدول ولم تنجح تجربة واحدة على هذا الصعيد. بيد أن بعض النظم العربية لاتزال تعيش في الماضي ولا ترى الحل إلا من زاوية توتير المجتمع وجعله ينزف، وهو رأي لاشك أنه خارج التاريخ ولا يصمد في أبسط امتحان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٣٢) صفحة (١٧) بتاريخ (١٩-٠٥-٢٠١٣)