كانت الصورة اللافتة والأكثر إثارة وانتشارا هي تلك التي التقطتها عدسة المصورين في معبر رفح عندما كان رئيس وزراء الحكومة المقالة إسماعيل هنية يقبل يد رئيس اتحاد علماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي، وكأنه يقدم له الشكر والعرفان والامتنان على النعم التي يتمتع بها هنية وحماس والشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. بيد أن وراء الصورة أشياء كثيرة. فالقرضاوي وهو يطأ أرض غزة منحه إسماعيل هنية صفة الرسل عندما أطلق صيحته المدوية «طلع البدر علينا» وأعقبها بتفسير أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم دخل المدينة المنورة ليلا، ليلحق التفسير بالنشيد الشهير لأهالي يثرب. لم ينتظر هنية ردود الفعل على هذا الوصف، بل سارع إلى منح القرضاوي الجواز الفلسطيني وعاجله بالدكتوراة الفخرية التي منحته إياها الجامعة الإسلامية في غزة. ومع استقبال الفاتحين الذي توج بالمهرجان الجماهيري الذي حشدت له حركة حماس، تكون عناصر الخلاف بين الحركتين الرئيسيتين: فتح وحماس قد تم إنضاجها على نار الزيارة التاريخية للقطاع. حكومة رام الله سارعت إلى إخبار الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية بأن جواز القرضاوي مزور ولم يصدر عن «الحكومة الشرعية» في رام الله، وطالبت بالقبض على رئيس اتحاد علماء المسلمين إذا استخدم الجواز الفلسطيني في تنقلاته. فهي ترى أن الرئيس محمود عباس فقط هو من يحق له منح الجواز وليس «رئيس وزراء مطرود»، حسب تعبير الناطق باسم حركة فتح أحمد عساف، الذي زاد متسائلا: «على ماذا يكافأ القرضاوي ليمنح جوازا ديبلوماسيا وجنسية فلسطينية؟ على الفتاوى التي أصدرها وأباحت الانقلاب الذي قامت به حماس في غزة وراح ضحيته الآلاف من أبناء شعبنا شهداء وجرحى ومشردين..أم لفتواه التي حرمت زيارة المسجد الأقصى ومدينة القدس لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليهما؟»
وعلى الأرض نظمت القوى المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية مظاهرات واحتجاجات ضد زيارة القرضاوي ووجهت له تهما كثيرة ليس أكبرها وصفه بـ»محامي حلف الناتو»، وقد واجهتها حكومة غزة بالقوة التي كانت مفرطة في كثير من الأحيان. تزامن ذلك مع إقدام مجموعة من قطعان المستوطنين على اقتلاع شجر الزيتون في الخليل والضفة الغربية، بينما واصل جيش الاحتلال قمع الاحتجاجات الفلسطينية على بناء جدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة. في هذا الوقت كشفت تقارير صحافية عن خطط تقوم بها الدولة العبرية وتنفذها منذ سنوات تربط بين مستوطنات الضفة الغربية بالقدس الشرقية والغربية وصولا إلى تل أبيب بهدف فرض الأمر الواقع وتهويد القدس ومصادرة أراضيها، فضلا عن أراضي فلسطين التاريخية. كما جاءت زيارة القرضاوي في وقت اعتقلت فيه قوات الاحتلال مفتي القدس والأراضي الفلسطينية محمد حسين ووجهت له اتهامات بتحريض المحتجين ضد الزيارة التي قام بها متطرفون صهاينة إلى المسجد الأقصى، وفي وقت يستعد فيه وزير الخارجية الأمريكية للقيام بزيارة للمنطقة يقال إنها لحلحلة التسوية وإعادة إنتاج المبادرة العربية بعد تعديلات وتحسينات اشترطها الكيان إلى جانب شروط أخرى منها الاعتراف بيهودية الكيان، تمهيدا لإقدامه على عملية «ترانسفير» كبرى بحق فلسطينيي «الثمانية وأربعين» وتطيير المساحة العظمى من الأراضي المحتلة.
توقيت زيارة القرضاوي إلى قطاع غزة والاحتفاء الكبير بها من قبل حماس، فسرت على أنها مناصرة من القرضاوي لفصيل فلسطيني على آخر، ومحاولة من حكومة حماس لصرف الأنظار عن الواقع المعيشي المزري الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، حيث تقدر منظمة العمل الدولية نسبة البطالة بنحو 60 %، ويزيد عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر على 2.3 مليون شخص، أي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم. هذا الوضع مرشح إلى التدهور أكثر في ظل الأزمة المتزايدة بين أكبر فصيلين فلسطينيين يتقاسمان السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي ظل حصار خانق يفرضه الاحتلال على قطاع غزة وحرب شعواء على الاقتصاد الفلسطيني ليبقى تابعا للاقتصاد الصهيوني، سواء كان في الضفة أو في القطاع، بما فيها حرمان الجانب الفلسطيني من حصته في الضرائب والجمارك، كعقاب جماعي ضد حكومة رام الله التي تواجه مشكلة شح السيولة.
يبدو أن تجاذبات الإقليم بعد الربيع العربي سرّعت من زيارة القرضاوي إلى القطاع، وساهمت في زيادة الاحتقان بين جماعة الإخوان المسلمين التي يشكل فيها القرضاوي رأس الحربة على المستوى العربي على الأقل، وبين القوى السياسية المتنافسة معها بما فيها القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية أيضا. فهو الذي أمّ الجمهور في ميدان التحرير في العاصمة المصرية القاهرة في صلاة الجمعة بعيد سقوط رئيس النظام السابق حسني مبارك، وهو الذي أفتى بقتل رئيس النظام الليبي المقتول معمر القذافي، بالإضافة إلى الفتاوى في كثير من قضايا السياسة والأيديولوجيا بالمنطقة وساهم بشكل أو بآخر في استقطابات بين مكونات المجتمعات العربية وخلق اصطفافات أيديولوجية في أكثر من دولة، ما ساهم في إضافة إرباكات على الأوضاع المجتمعية القائمة أصلا في أكثر من بلد عربي، ناهيك عن حرف بوصلة القضية المركزية للأمة نحو قضايا خلافية على المستوى الأيدلوجي والسياسي البعيد عن معطيات ومتطلبات المرحلة الراهنة التي تمر بها بلدان المنطقة.
زيارة القرضاوي أثارت الكثير من القلق في وقت لم تكن بحاجة إلى توتير في الساحة الفلسطينية أكثر مما هي متوترة ومنقسمة قادت إلى صرف الأنظار عن القضية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، حيث تراجع الاهتمام لصالح القضايا القطرية الضيقة التي لا ترى العرب في مستقبل الأمة بل في الهروب إلى التقوقع نحو الدولة القطرية التي رفعت شعارات أنها أولا وبعدها الطوفان. فبعد الحديث عن المصالحة الفلسطينية ومؤتمراتها في القاهرة، تعشم الشعب الفلسطيني خيرا في التصريحات الصادرة عن قيادات في حركتي فتح وحماس، إلا أن زيارة القرضاوي قضت على الآمال التي تحولت إلى إخفاقات جديدة زادت من حالة التشظي الداخلي، بينما تمارس قوات الاحتلال نهجها المتصاعد في قضم الأراضي الفلسطينية وتنكل بالشعب الفلسطيني الذي كفر بهذا الانقسام الخطير الذي يصب في خدمة الاحتلال.
لعل زيارة الشيخ القرضاوي تفتح آفاقا أخرى غير تلك التي ترسم للفلسطينيين، وذلك عبر إعادة قراءة المشهد الداخلي المتردي الذي ينذر بأوضاع معيشية أكثر قسوة على الأسر الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعرب الثمانية وأربعين، ناهيك عن فلسطينيي القدس الذين يواجهون عمليات اجتثاث مبرمجة وهم الآن في أمسّ الحاجة أكثر من أي وقت مضى للتضامن والدعم لكي لايتم اقتلاعهم من القدس وقبل أن يتحول المسجد الأقصى إلى هيكل يحتفي الصهاينة على أبوابه بسقوط العرب في فلسطين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٣٧) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٤-٠٥-٢٠١٣)