تمر المملكة هذه الأيام بفترة تصحيحية كبيرة على مستوى العمالة الوافدة ومحاولة تصحيح أوضاع تلك العمالة بالشكل اللائق، بحيث تكون العلاقة التعاقدية قائمة على مصلحة متوازنة ومكفولة للطرفين داخل الإطار القانوني للنظام التجاري السعودي، كما تتضمن العملية مسارا تصحيحيا من بعض العمالة غير النظامية ولا تحتاجها عملية التنمية في بلادنا، بل إن بعضا منها يشكل عبئا على الاقتصاد الوطني الذي يطلق عليه ظاهرة التستر.
يتزامن ذلك مع توجه الدولة إلى تحسين بيئة العمل من خلال رفع الحد الأدنى للأجور للموظفين السعوديين في القطاع الخاص، وكذلك تحديث التشريعات والأنظمة مما يؤدي إلى تحسين الظروف المعيشية لأغلب فئات المجتمع.
وكما هو معروف لدى الجميع فإن تكاليف الحياة والمعيشة قد تغيرت وزادت أضعاف ما كانت عليه في السابق، ولذا فإن زيادة الحد الأدنى للأجور أصبح يشكل هاجسا كبيرا للدولة، وأنه لابد من محاولة زيادة تلك الأجور المتدنية التي لا تفي بمتطلبات الحياة ويقع عبء هذا الدور على وزارة العمل وهي الجهة التي تمثل الدولة في دراسة مثل هذه المواضيع ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة التي لا تؤثر على أصحاب العمل وتفيد العمالة الوطنية التي تريد الالتحاق بالقطاع الخاص.
ومن وجهة نظري إن الاهتمام برفع الحد الأدنى للأجور له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالاستقرار السياسي والأمني والنمو الاقتصادي، بمعني أنه إذا ما حصل كل فرد في هذا الوطن على عمل مناسب وبمرتب يفي بمتطلباته اليومية من مسكن ومأكل ومشرب فإن ذلك سوف يؤثر إيجاباً على الحس الوطني، وإذا حصل العكس فربما يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الجريمة ويزيد مستوى الفقر لدى فئة كبيرة من مجتمعنا ألا وهي فئة الشباب، ورفع الأجور أيضاً سيساهم في مجال توطين الوظائف ويُرغَّب كثيرين من الأفراد في الالتحاق بالقطاع الخاص لأنه سوف يكون بيئة جاذبة وليس بيئة طاردة بسبب رفع الأجور لهم، ومهما كان من الأمر فالعامل عادة يبحث عن البيئة المناسبة والأجر المناسب حتى يتمكن من بناء نفسه وأسرته، وتدني الأجور قد ينتج عنه كثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي قد تثقل كاهل الدولة.
وفي هذا الصدد أقامت وزارة العمل الأسبوع الماضي وتحديداً يومي الأحد والإثنين منتدى الحوار الاجتماعي الثاني بعنوان: «سياسات الأجور ومستوياتها في القطاع الخاص بالمملكة»، بحضور أطراف الإنتاج الثلاثة وهي: وزارة العمل ممثلة الحكومة، وأصحاب العمل، وممثلو العمال وهي «اللجنة الوطنية للجان العمالية»، وكان هدف هذا اللقاء هو الوصول إلى رأي توافقي في فكرة رفع الحد الأدنى للأجور، وكان لي الشرف في إدارة هذا اللقاء ممثلا عن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الشريك الاستراتيجي مع وزارة العمل في هذا المنتدى.
الحوار استمر لمدة يومين ناقش فيه المشاركون أربعة محاور كانت كفيلة بأن تصل بهم إلى رأي توافقي فيما بينهم في عملية رفع الحد الأدنى للأجور، وقد اتسم الحوار بالشفافية والمصداقية فيما بين الأطراف الثلاثة ولم تخرج تلك النقاشات والحوارات عن أدبيات الحوار وأسسه، إنما كانت حوارات هادفة ومنطقية إلى أبعد حد، ويعود ذلك لوجود الحس الوطني لدى الجميع وللشعور بأهمية هذا الموضوع وانعكاساته من الناحية الوطنية.
وهذا اللقاء يمثل اللقاء الثاني من الحوارات الاجتماعية التي تبنتها وزارة العمل في الفترة الماضية وذلك بتوسيع المشاركة بين الأطراف الثلاثة للوصول إلى قرارات توافقية فيما بينها، وهذا المنهج الرائع الذي اتخذته الوزارة ينم على حرصها على فتح قنوات الحوار والنقاش فيما بين الأطراف الثلاثة قبل اتخاذ أي قرار له علاقة بتلك الأطراف.
وفي اعتقادي أن هذا هو الحل الأمثل لمناقشة قضايانا وإشراك الأطراف المسؤولة في القضية حتى نساعد أصحاب القرار في اتخاذ رأي مشترك وتوافقي ومتوازن، والابتعاد عن إصدار القرارات الارتجالية التي قد تضر بأصحاب العلاقة بالموضوع.
وختاماً نأمل أن تستمر الوزارة على هذا المنهج الجميل وفتح قنوات الحوار دائماً مع شركائها في سوق العمل وسماع وجهات نظرهم بصفة مستمرة حتى نبني الثقة بين الأطراف الثلاثة فيما بينها، كما آمل أن تحذو الجهات الحكومية الأخرى حذو وزارة العمل في فتح قنوات الحوار مع شركائها أصحاب العلاقة لتصبح قراراتنا وفق منهجيات مدروسة ومشتركة بين أطراف عدة لها علاقة بالقضايا المطروحة من تلك الجهات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٤٥) صفحة (١٦) بتاريخ (٠١-٠٦-٢٠١٣)