خلال الفترة الماضية من عمر المجالس البلدية لاحظنا أن هناك هوة واضحة بينها وبين الأمانات والبلديات، تلك الهوة تجسدها الريبة بين الطرفين، الأمانات والبلديات تنظر إلى المجالس البلدية على أنها أجسام دخيلة عليها، تنازعها القرار وتتدخل في خصوصيات عملها، وتفرض عليها آراء واقتراحات وملاحظات تعطل آلية عملها، هكذا يظن المسؤولون في الأمانات، بل إن بعضهم يُلمّح أحياناً ويصرح في أحايين أخرى بأن أعضاء المجالس البلدية لا يستوعبون العمل جيداً، وأنهم يبالغون في طلباتهم دون النظر للإمكانات من الميزانيات المخصصة، أما أعضاء المجالس البلدية فإنهم يرون أن ما يقومون به من جهد وما يصدرونه من قرارات مجرد «حكي» لا يُقدم ولا يُؤخر، والأمانات تُسيّر عملها وتُنفذ قراراتها بالطريقة التي تراها.
لذا تنشب المشكلات بين الطرفين ويزداد التباعد بينهما، ولم تتمكن المجالس البلدية خلال السنوات الماضية من تحقيق الانسجام والتناغم بينهما، وإذا حدث فذلك تغلب عليه المجاملة. فالمجالس البلدية ينحصر عملها في جانبين لا ثالث لهما وهما الجانبان الرقابي والتقريري، لذا تراقب المشاريع، وهذا الدور تقوم به جهات رقابية أخرى كهيئة الرقابة والتحقيق أو نزاهة أو غيرهما، أما التقرير فينحصر في كتابة تقارير عن أداء الأمانة والبلديات عند تنفيذ المشاريع، أو بناء قرارات تذهب أدراج الرياح.
ولكل تلك الأسباب يشعر أعضاء المجالس البلدية بالإحباط لأنهم لم يحققوا رضا منتخبيهم، بل يجدون اللوم المستمر في كونهم لم يقدموا شيئاً من تلك الوعود التي أعلنوا عنها في فترة الانتخابات، وحتى يؤدي المجلس دوره الحقيقي والمطلوب فمن الضرورة بمكان تعديل اللائحة بإضافة دور لهم في غاية الأهمية وهو «الجانب التنفيذي»، مما يتطلب رصد ميزانية خاصة تتمكن من تنفيذ المشاريع بالتنسيق مع البلديات، والعمل التنفيذي تترتب عليه ضرورة رفع سقف ثقافة الناخبين، ليتم اختيار الأعضاء القادرين على تقديم الخدمة لمجتمعهم، فقد أثبتت ثقافة فزعة الانتخابات فشلها لأنها تُعطل مسيرة النماء والتطور باختيار غير موفق وعناصر غير مؤهلة لن تتمكن من تحقيق أهداف المجالس البلدية، والوصول إلى خدمة مأمولة للوطن والمواطن، كما يتوجب أيضاً الاختيار الأمثل للنصف الباقي المُعين ممن لديهم الكفاية العالية في الجوانب الفنية والمالية والفكرية للمشاركة الفاعلة.
والمجلس البلدي لأمانة منطقة الباحة أدرك أن هناك فجوة تُعيق طموحاتهم وتُبطئ عملهم تتمثل في النواحي التنظيمية المتعلقة في بنود اللائحة، مما دفع المجلس لتقديم مقترحه بتنظيم ورشة عمل اشترك فيها قرابة ثمانين عضواً بهدف استنهاض الهمم واستخلاص الأفكار لتتوصل إلى حزمة من التوصيات جديرة بأن تدرسها وزارة الشؤون البلدية والقروية للخروج بلائحة تخدم الطرفين، وتُفعّل دور المجالس البلدية، أما بوضعها الراهن فهي ليست بمستوى الطموح، والدليل ما تنشره وسائل الإعلام المختلفة في ضعف أداء المجالس البلدية وعدم قدرتها على الخروج من ربقة المجاملات وأحياناً الاختلاف، فالتعديل والتطوير هو الحل الأنسب، فالمشكلة ليست فقط في النظرتين المتفاوتتين بين الطرفين فقط، حيث إن الأمانات تنظر للمجالس بأنها كتلة غريبة عليها، تتحسس مما تطرحه، بينما يُعاني أعضاء المجالس البلدية من الإحباط في كون قراراتهم حبراً على ورق وأحلاماً قابلة للتبخر، ووجودهم يُعتبر هامشياً، والواقع أن المشكلة تكمن في اللائحة نفسها، فمن الضرورة استقلال المجالس البلدية مادياً وإدارياً وفنياً لتصبح كيانات واضحة ومؤثرة وفاعلة مثلها مثل المجالس البلدية في البلدان المتقدمة، أما بوضعها الراهن فهي كيانات شبه هلامية، والدليل على ذلك ما نراه ونسمعه عن أدوارها البسيطة جداً، التي لم ترقَ إلى المستوى المأمول، وكذلك العزوف الكبير الذي حدث في الفترة الثانية للانتخابات، وهذا مؤشر خطير لقلة القناعة بأدوارها، وأخشى -بحسب الإرهاصات التي نشهدها- أن تتقلص نسبة المشاركين في عملية الاقتراع في الفترة القادمة «الثالثة»، وهذا متوقع مع ارتفاع درجة الإحباط لدى الأعضاء، وذيوع الحديث بأنه ليس هناك دور فاعل ومنجز لهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٤٧) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٣-٠٦-٢٠١٣)