1- في المطلق، ليس ثمة وقت للكتابة… معزول عن كل شيء.
بالمعنى التقني فقط، يمكن القول بالمسافة الحيوية بين الكتابة ونشرها،
مثلما بين الحياة وكشفها. فمن المستبعد أن يكفَّ الكاتب عن الحياة، بوصفها كتابة، أو عن الكتابة باعتبارها التجليّ الرؤيوي للحياة.
بهذا الشكل يمكنني القول إنني لم أتوقف عن الكتابة يوماً، وإلا فأنني سوف لن أكون موجوداً الآن.
غير أن الكتابة المرتبطة بمفهوم الاتصال بالقارئ بشكل أسبوعيّ متواصل، لم تكن تستمر طويلاً. وهو ضربٌ من الحرية، ظل من بين أجمل أشكال تحرير النص والتحرر منه في آن.
ثمة تقليد تيسر لي منذ أن أطلقت زاوية (وقت للكتابة) منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ساعدتني عليه علاقتي المطلقة مع القارئ، وبتفهم الأصدقاء في الصحف التي نشرت فيها (وقت للكتابة)، يتمثل «هذا التقليد» في توقف الزاوية بين فترة وأخرى، لمنح نفسي وقتاً خارج الالتزام الثابت للنشر. كسراً للرتابة من جهة، ومن جهة أخرى استعادة الأنفاس خارج الواقع الافتراضي الذي عملتُ على تأليفه ونقضه في نفس الوقت، وقت الكتابة على وجه الخصوص.
2- يبقى أن أشير إلى أنّ (وقت للكتابة) هي شرفة للقراءة بالدرجة الأولى، أي أنها ليست (كتابة) إلا بوصفها نصاً مخطوطاً، لكنها، عُمقياً، ضربٌ من تأمل الحياة وقراءتها بالطريقة التي تسعف الكائن على التحديق في المستقبل بعدسة الواقع. مما سيجعل الأمر وقتاً لقراءة ما يمكن قراءته في شكلٍ مكتوب، دون حكم قيمة ولا مطلقات ولا جاهزيات ولا مزاعم. وهي واحدة من الحريات التي يجوز للكاتب، في فضائه، أن يتشبث بها فيما هو يختار شكل محاوراته للحياة وانتخاب وقتها. دون أن يأتي متأخراً عن موت، ولا باكراً على حياة.
ولعل حريات شكل التعبير التي اقترحتها (وقت للكتابة) طوال السنوات الماضية، جعلتها شرفة قول تتقدم نحو الكتابة للصحافة بشروط الكتابة وليست امتثالاً لشروط الصحافة. مما وضع هذه التجربة في مهب التنوع في المواضيع والرؤى والأساليب.
3- الآن، حين أعود إلى (وقت للكتابة) مجدداً، من شرفة الأصدقاء في جريدة (الشرق)، بعد سنوات طويلة من توقف (الوقت)، فإنما لكي أستعيد وضع روحي في مهب قراءة الحياة وإعادة الكتابة لكثير من سجالات الاثنين: الحياة والكتابة. (هل هما اثنان فقط ؟!) لكأنني أكاد أمعنُ في محو التخوم بين الحياة والكتابة، لا لكي أتماهى في الاثنين، لكن لئلا أفرّط في الغِنى والتنوع اللذين منحتني أياهما النعمتان، الحياة والكتابة، فقد كنتُ طوال سنوات (وقت للكتابة) لم أغادر الشعر الذي ظل هو عدسة مراصدي في كل ما كتبت وكل ما قرأت.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٤٩) صفحة (٢٦) بتاريخ (٠٥-٠٦-٢٠١٣)