في مقالة سابقة قلت إن أثرياء الباحة شاركوا في تنمية منطقتهم واستدللت ببعض الشواهد، على اعتبار أن ما قدموه واجب وطني وإنساني وحضاري، وكان الهدف من ذلك قدح هممهم واستحثاث جهودهم لمواصلة المشاركة في المنظومة الحضارية التي تشهدها منطقة الباحة في كافة الجوانب، وأظن أن الاحتياجات المستقبلية لا تخفى عليهم ومن أبرزها المشاريع السياحية كإقامة الفنادق، والقرى السياحية، والأسواق التجارية، واستكمال مشروع العربات الهوائية، وصولا إلى قرية ذي عين بعد أن انسحبت شركة الباحة من تنفيذه.
وبدهي، لن تكتمل منظومة البناء إلا بتضافر الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص، فالجهات الخدمية مطلوب منها تهيئة البنية التحتية المناسبة من كهرباء وماء وطرق، وتسهيل الإجراءات، فيما يُسهم القطاع الخاص في إنشاء المشروعات السياحية والتجارية.
وبما أن منطقة الباحة قطعت شوطا جيدا تسنمت موقعا مهما في جانب السياحة، إلا أن التطلعات أكبر، والأماني أوسع، وهنا يُعول على أثرياء الباحة المساهمة بشكل أفضل، فما قدموه يشكرون عليه، إلا أن هذا في نظر كثيرين غير كاف، خصوصا أن لديهم الإمكانات المالية الكبيرة التي تؤهل لتنفيذ مشاريع كبيرة تخدم الوطن والمواطن. كما أن الباحة مسقط رؤوسهم ومكان نشأتهم، تستحق كثيرا كثيرا.
وأعرف أن إمارة منطقة الباحة – بتوجيه من أميرها مشاري بن سعود بن عبدالعزيز- طرحت مشروعا تراثيا وسياحيا كبيرا في الناحية الشمالية من المنطقة، وقد انتهت من إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، ويحتاج فقط المبادرة من رجال الأعمال الذين يدركون أهمية هذا المشروع وحيويته ودوره في رفع رصيد السياحة في المنطقة، وبحسب معلوماتي عن المشروع التراثي الذي تم الانتهاء من تصاميمه الهندسية والفنية، اقتبست فكرته من البيئة الجغرافية للمنطقة ومن الموروث المعماري، وتم اختيار موقعه في مكان مناسب؛ ليصافح وجوه السائحين القادمين إليها براً من كافة أنحاء مناطق المملكة ودول الخليج العربي. ويحتوي المشروع على نزل فندقي ريفي وساحة شعبية ومسرح ومدرج للاحتفالات سعة خمسة آلاف شخص، وقاعة للمحاضرات والندوات، ومركز استجمام، وناد صحي ومطاعم ومقاهٍ واستراحات وممرات للمشاة ومسابح ودكاكين لعرض المشغولات التراثية، ويزيد من بهاء المكان مصاطب زراعية وطرقات وساحات وإطلالات تفضي إلى سفوح الجبال المكتسية بأشجار العرعر، هذا المشروع الذي يقع على مساحة مائة ألف متر مربع، وتقدر تكلفة إنشائه قرابة الستين مليون ريال، يحتاج إلى التفاتة من أثرياء الباحة، وفي حالة تنفيذه سيكون مزارا سياحيا بارزا ومنتجعا جبليا رائعا، ليس على مستوى الباحة فقط بل على مستوى المنطقة الجنوبية بكاملها، حيث روعي في تصميمه تكامل العناصر الجمالية والتراثية والترويحية التي يحتاجها السائحون، وتحقق لهم بمشيئة الله المتعة في ربوع منطقة الباحة.
وكثيرا ما يحدث في طلائع الصيف مقارنة بين السياحة الداخلية والخارجية، الأمر الذي يزيد من كفة الخارجية لتوفر المواقع الترفيهية التي تُحقق المتعة، ما ينجم عنه زحف كثيرين إلى المطارات للتحليق والسفر إلى المدن العالمية، وهنا تؤكد الإحصائيات الرقمية أن ثمة مليارات تذهب إلى الخارج. لذا أصبح تطوير السياحة الداخلية ضرورة تحتمها الظروف الراهنة أو على الأقل الاحتفاظ بالسيولة المالية داخل الوطن، بتعديل بوصلة الاتجاه إلى المدن السياحية الداخلية ومنها الباحة والطائف وأبها التي تُعد جديرة بأن تستقطب السائحين في فصل الصيف بما تتمتع به من مناخ آسر، ومناظر جميلة، وأمن وأمان، وكل ذلك لا يكفي ما لم تتوفر الخدمات التي يحتاجها السائح وتلبي رغباته، ويأتي الواجب الوطني من رجال الأعمال، وهم ولله الحمد كثر، لتنمية السياحة الداخلية بمشاركتهم الفعلية في هذا الخصوص، فهل نسمع ونرى مايزيد بهجتنا بمبادرتهم في تنفيذ هذا المشروع السياحي؟.
ومضة:العطاء والسخاء ليس فقط في حدود المنزل، بل يمتد إلى دائرة أوسع من أجل خدمة المجتمع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٥٤) صفحة (١٤) بتاريخ (١٠-٠٦-٢٠١٣)