فضيحة قطرية لا يسترها عذر الاختراق البليد .. تميم يخطب ود أعداء الأمة ويهاجم الاشقاء

الفلسفة المعاصرة تمرينٌ على الحذر من خطاب الوضوح

نذير الماجد

طباعة التعليقات

الخطاب الغنوصي هو خطاب الغموض بامتياز

الدخول في الفكر دخول في غبش لغوي يتسم دائماً بطبيعة فاشية، طبيعة إرغام ورقابة. فالفكر اقتصاد أو خاتمة لا تكتمل لسيرورة حصار، وإذا كانت اللغة ذات طبيعة مقتصدة فلأنها، بحسب بارت، بؤرة يتكثف في داخلها العالم، لكن هذا العالم عصيٌّ على التصنيف فيما اللغة وبحسب بارت أيضاً، هي نفسها اغتصاب التصنيف، العالم يتمدَّد واللغة تقليص وتحديد متحيز لشكلانيتها المسبقة، من هنا أزمة الذات المفكرة التي تجد نفسها في مراوحة دائمة بين الوضوح والغموض، بين التقرير والأدب، بين سلطة الذات وسلطة اللغة.
هذا التقابل يجد مثيله في الثقافة العربية بين البيان من جهة والعرفان والفلسفة من جهة أخرى، بين تأصيل للغة من حيث هي وضوح، ومقاربة لها من حيث هي غموض، وعلى ذلك يمكن القول مع محمد عابد الجابري إن ثمة تمفصلاً في بنية العقل العربي والإسلامي، بين عقل بياني وآخر عرفاني وثالث فلسفي، لكن دون الانجرار وراء التحيزات الجابرية الشهيرة، سأكتفي بالإشارة إلى أن البيان تكريس لخطاب الوضوح وسلطة النص، ونتيجة لسطوة التاريخ راح خطاب الوضوح يفرض سيطرته. وضوح اللغة في مفاعيله سيكرس ذلك المعنى النهائي والنص المغلق، وسيُحيل العقل إلى هيكل لأصنام ذهنية، وهو المنزلق نفسه الذي وقع فيه الجابري، فرغم بطانته النقدية إلا أنه رسم العقل كما لو كان «ذاكرة أزلية» لاجترار أو تكرار بليد للمعنى الواضح، الذي يستمد سلطته من كونه أصلاً، المعنى الذي يجمع وفي خيانة صريحة للعقل والعقلانية بين خطاب الفلسفة وخطاب البيان، وهكذا بعد أن كانت الفلسفة ديناً مفتوحاً، صارت ديناً مغلقاً وإمكانية تبريرية لأصولية سلفية.
وإن كانت اللغة بياناً أو وضوحاً فإن العقل كذلك تجميد وتثبيت لمقولات تخضع كما هو البيان تماماً لاستراتيجيات الخطاب كما هو عند ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي الذي شكَّل المرجعية المعرفية المشوهة والمجتزأة للجابري كما يؤكد لنا الزواوي بغورة في قراءته النقدية «لنقد العقل العربي». فالخطاب، كل خطاب، ليس أكثر من وقائع أو جملة من التحيزات.. لا توجد فلسفة أو عقل كلي عند فوكو الذي يحيل الفكر إلى إرادة، إلى تقاطعات أو تمفصلات بين أطراف اللعبة، بخلاف إصرار الجابري على العقل بوصفه حياداً مطلقاً.
أما السقطة الكبرى في خطاب الجابري، فهي اتهامه الغنوص بتهمة كانت ستكون امتيازاً للثقافة العربية، هي تهمة الغموض، فالتصوف الذي فجَّر المعنى وشكك في كل معنى ناجز، والذي يُحسب له مزجه المتعمد بين الفلسفة والأدب، بين الحقيقة والمجاز، مستبقاً الاتجاهات الهرمونوطيقية، ومدشناً لكثرة لا متناهية من التأويلات، هو مُدان من جهة الجابري، بوصفه علة التخلف والانغلاق الفكري، متعامياً بذلك عن العقل البياني بوصفه مكوناً لإقصاء فطري.
ليس الوضوح مجرد وسيلة بلاغية، بل هو كذلك فضاء تواصل، كما يريد أن يقول المفكر الجابري، متمترساً بالخطاب البياني الواثق بنفسه، الذي تسيد الفكر منذ مقوله التراثي وحتى مقوله الحديث، هذا الخيط الناظم لاستمرارية المعنى ووضوحه، إنها ثقة الذات الواثقة بقدرتها على تجيير الأشياء وإخضاعها، إنها سلطة.
أما الغموض فهو خطاب الحائر أمام سيولة لا متناهية للمعنى، الغموض ليس شعراً وإن كان الأخير بمثابة المقولة الكاشفة الوحيدة لفلسفة تجد ذاتها في لغة ملتحمة بالأشياء، بل هو ظهور لا ينفك عن احتجاب فطري: العالم هو دائماً وأبداً ليس هو، إنه ينسحب، يهرب، ينفلت من قبضة الذات، لهذا كان الغموض متسعاً له.
الخطاب الغنوصي هو خطاب الغموض بامتياز، ولأنه كذلك فهو تدشين لخطابات معاصرة تجد ذاتها منغمسة في ليل حالك من المعنى، الدخول في اللغة الغامضة دخول في نفق مظلم للقرابة اللغوية بينهما. وقد بين ابن منظور ظلالاً دلالية للغموض: الخفاء، الغياب واللطف.. كل معنى عظيم هو معنى خفي، لطيف وغامض، إذا اتسع المعنى ضاقت العبارة، يقول النفري، أما الوضوح فأسطورة في الخطاب المعرفي المعاصر، الفلسفة المعاصرة معرفة ريبية، إنها تمرين على الحذر من خطاب الوضوح، فهي تلحّ مع أمثال ماركس أو فرويد أو نيتشة على أن ظهور الشيء يُخفي حقيقته، الأخير كان هو الأكثر غموضاً، خطابه مفخخ وملغم بانزياحات معنوية مربكة.. علينا أن نتريث في تفسير وتحليل نيتشة كما لو كان يعني ما يقول، الخطاب النيتشوي خطاب مراوغ محتال رغم وضوحه.. ولا أريد الاستشهاد بالأنساق الفلسفية التي حيَّرت المتلقين، هيجل مثال سريع للنسق الفلسفي الغامض، ليس فقط في لغته وإنما في مضمونه الذي دشَّن تغايرات عديدة في امتداداته: محافظون وراديكاليون، مثاليون وماديون، ماركسيون ووجوديون.. إلخ.
إن الجابري بانحيازه ضد العرفان كاتجاه يُعلي من قيمة الغموض بل يُحيله إلى مقولة لاتساع المعنى ولاستغلاقه في آنٍ، ينسف كل إمكانية للتغاير، الجابري ينسف العقل بمعول العقل نفسه، وهو بذلك يرسم حدوداً فولاذية لأسر الدلالة وتسييجها ضمن خطاب جازم وتقريري وسلفي، والعقل هنا كما في اللغة يؤول إلى ممارسة اعتقالية، ممارسة تأكيد أو شرح، تأكيد الأصل بوصفه أصلاً واضحاً ثابتاً متعالياً على الزمان والتاريخ والذات، أو تقليص لفاعلية العقل إلى مجرد تفسير أو شرح أو اجترار لمعاني ناجزة انتهت إلى تثبيت ذاتها كسلطة، «فالدلائل والعلامات التي تكون منها اللغة -كما يقول بارت- لا توجد إلا بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرر وتتردد».
من هنا النفور من التقرير في الخطاب الفلسفي المعاصر، إذ يعلمنا أن الهيمنة والإكراه آفة تفتك بكل خطاب يُضمر تسييجاً وحدوداً فولاذية، خطاب للتصحير وإفقار المعنى.. وحده الأدب والنص التائه في فضاء الدلالة ما سيحدُّ من مفاعيل آفة الوضوح، فإن لم يكن النص مفتوحاً لفرجة معنوية وعبث لإشباع الشغف، فهو أداة للهيمنة، وتكريس لخاصية نقيضة للدهشة، خاصية تثبيت المعنى بدل تفجيره، وهي تعويذة الجابري المسكون بوعيد العقلانية الناجزة، والمعنى/ الأصل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٥٦) صفحة (٢٢) بتاريخ (١٢-٠٦-٢٠١٣)