تطرقت في مقال الأسبوع الماضي عن بيئتنا المكلومة، التي ظلت ومازالت تعاني من الإهمال وعدم الاهتمام بها والمحافظة عليها أو الرأفة بها؛ بسبب جهل كثير من الناس لأهمية البيئة وضرورة المحافظة عليها، وأيضاً لعدم وجود الثقافة والوعي الذي يدفع الإنسان إلى الاهتمام ببيئته وعدم تلويثها، لذلك وددت في هذا المقال أن أطرح جانباً مهماً من الجوانب التربوية التي تم تأسيسها من أجل الاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها.
يقال إن الطبيعة هي أصل العلوم؛ ولذلك سعت الدول المتقدمة وخصوصاً الدول الأوروبية إلى ابتكار مدارس جديدة تعمل على غرس حب الطبيعة في نفوس طلابها وعمدت إلى إنشاء مدارس متخصصة في هذا المجال وسط الغابات، وجعلت على تلك المدارس مرشدين متخصصين في الطبيعة (Nature Guide) متميزين بخبراتهم الجيولوجية وعلم الأحياء، وكذلك لديهم القدرة على تنظيم الدورات التدريبية والأنشطة للطلاب والطالبات في وسط الطبيعة؛ مما يؤثر ذلك في نفسية الطلاب، ويُحببهم بالطبيعة، ويجعلهم يحافظون عليها ويحثون غيرهم على فعل ذلك، وكذلك تشجعهم بيئة الدراسة على الابتكار في مجالات بيئية شتى وتتركز مناهج تلك المدارس على الدراسات الطبيعية والبيئية، وعلوم الحياة، والأعمال اليدوية، وأعمال النجارة وغيرها من العلوم التي تنبثق من الطبيعة.
ومن هذه المدارس الشهيرة مدرسة (الطبيعة بإستانبول بتركيا)؛ حيث تقع هذه المدرسة وسط الغابات الكثيفة، واستقت مناهجها وتعليمها من الطبيعة نفسها؛ فإداراتها لم تغفل ما وصلت إليه العلوم، بل أرادت أن تحاكي الطبيعة لتلاميذها، وأن يعايشوها بأنفسهم عن قرب، وهذه المدرسة تُعد من بين أفضل 500 مؤسسة تعليمية في العالم، وتسعى هذه المدرسة إلى أن تكون ذات بعد علمي وترفيهي في آن واحد؛ فسياستها ترتكز على مبدأ أنه إذا أحب الطالب مدرسته فإنه سوف يبدع في تفوقه، وهذا ما لمسوه من خلاصة تجربتهم. لقد جُهزت هذه المدرسة بفصول ومرافق وأدوات توضيحية من الأغصان وسقفها من أوراق الشجر، وهذا أسلوب يعده القائمون أنموذجاً يُنمي القدرة التعليمية والبدنية لدى الطالب والمعلم؛ بسبب أنهم لا يشعرون بالملل أبداً في الحصص الدراسية، بل يشعرون دائماً بالتجديد والطاقة والنشاط والحيوية، فالقائمون على هذه المؤسسة يرون أن الطبيعة هي أصل العلوم ومصدر وحيها، وتختلف نوعية هذه المدرسة عن باقي المدارس الأخرى من ناحية خصوصية المواد التي يتم تدريسها في هذه المدرسة حيث يوجد في هذه المدرسة أقسام للزراعة، ومحمية للحيوانات، وقسم للطاقة، بالإضافة إلى الأبحاث التي يُعدها الطلاب من خلال رحلتهم بين أحضان الطبيعة، فأقسام الترفيه جزء مهم في المرحلة التعليمة وهو من صلب سياسة هذه المدرسة، مثل: ركوب الخيل، والسباحة، مع النشاطات التي تعزز ثقة الطالب بنفسه، ومن ثمَّ يعزز ذلك حب الطالب لمدرسته؛ جراء الفائدة المكتسبة من تلك البرامج؛ لأن طريقتهم في التعليم تعتمد على حب الطالب لدروسه ورسوخ المعلومة لديهم، وهذا ما يميزها عن باقي المدارس التقليدية الأخرى، وتميزت هذه المدرسة بمرافقها الحديثة؛ وذلك بمواجهة ثلوج الشتاء والأمطار التي لا تتوقف حتى في فصل الصيف، فهي مدرسة استلهمت برامجها وتعليمها من الطبيعة، وقد أوصى الأكاديميون بتعميم هذه التجربة نظراً إلى النجاح الذي حققته هذه المدرسة على المستوى المحلي والدولي.
هذا في استعراض قصير لمدرسة الطبيعية المتميزة في تركيا التي تحتاج منا أن نطّلع على هذه التجربة المتميزة ونتعلم منها الدروس ونأخذ منها العبر لكي نحذو حذوها ونعمل على ابتكار طرائق تدريس جديدة تتماشى مع بيئتنا وواقعنا وتراعي فصول السنة ومتغيرات المناخ الدائمة حتى لا نظل متقوقعين ندور في فلك أساليب التدريس القديمة التي لم تعد تتناسب مع إيقاع عصرنا الحالي .
نحن بحاجة إلى مثل هذه المدرسة وبرامجها لأنها سوف تنمي لدى أطفالنا حب البيئة وكيفية المحافظة عليها وعدم تلويثها، وسيصبح هؤلاء الطلاب والطالبات هم حماة البيئة من التلوث، ومن ثمَّ سنصنع ثقافة جديدة لدى أبنائنا من خلال تلك المدارس قد يقول بعض منا: إن الغرب لديه المناخ والطبيعة الخلابة وغير ذلك؛ فأقول لدينا مملكة مترامية الأطراف كل منطقة تختلف عن الأخرى في الثقافة والمناخ والموقع، فلماذا لا نفكر في تأسيس مدرسة واحدة عن الطبيعة في كل مدينة من مدن المملكة؟ على أن يراعى في ذلك البيئة والمناخ والثقافة، وأن تكون تلك المدارس وجهة حضارية لمعظم الطلاب الراغبين في الالتحاق بهذه المدارس، ومن ثم سوف تُخرّج لنا هذه المدارس باحثين في مجال الزراعة، والبيئة والطاقة والجيولوجيا وكل ما هو متصل بالبيئة، وقد يستفاد من هذه المدارس في فترة العطلات الصيفية بفتح المجال للراغبين في زيارة تلك المدارس والاطلاع عليها وعلى مناهجها أيضاً والالتحاق ببرامجها التي تقوم أساساً بالمحافظة على البيئة.
وختاماً أقول: إن التنويع في فتح المدارس وخصوصاً التي تختص بالطبيعة، لها فوائدها الكبيرة على مستوى الوطن والفرد، وكذلك لها مساهماتها في تخريج باحثين وباحثات متخصصين في الطبيعة والبيئة، وأيضاً نكون قد بدأنا في فتح مجالات جديدة للمدارس والمراكز المتخصصة، وبدلنا النمطية المعتادة التي نراها اليوم في أغلب مدارسنا التعليمية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٥٩) صفحة (١٤) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٣)