المتتبع لما يحدث في الأندية الأدبية يشعر بالأسى والحزن، فما إن تهدأ مشكلة في ناد حتى تظهر في ناد آخر، وتتركز بشكل أكثر في أندية (الشرقية، جازان، أبها). ورغم مضي ما يقارب العامين من انتخابات مجالس الأندية إلا أن أوارها يمتد إلى اليوم، مما انعكس سلبا على الفعاليات والبرامج الثقافية.
وحين ندقق في جذور المشكلة نلحظ أنها ذات علاقة مباشرة بمواد اللائحة وكذلك الآلية الإلكترونية لعملية الانتخابات التي أفضت إلى التشكيك في كون الانتخابات ماهي إلا قناع جاء خلفه تعيين إلكتروني، وإن صدق هذا الاتهام فإن المشكلات لن تنتهي إلا بعد مضي الأربع سنوات، وهي الفترة المحددة بحسب اللائحة، وفي جميع الأحوال نلحظ أن دور الجمعيات العمومية هامشي، إذ تتخذ معظم مجالس الإدارات قراراتها، ويأتي أعضاء الجمعية لإقرارها، في جو تسوده المجاملة.
وحين يحاول أعضاء جمعية عمومية طرح آرائهم واقتراحاتهم تُقابل من مجالس الإدارات بالإهمال والتهميش، مثلما يحدث بين البلديات والمجالس البلدية تماما. وعندما أُعلن قبل سنوات عن تطبيق الانتخابات لوصول العضو إلى مجالس الإدارات، استبشر الأدباء والمهتمون بالشأن الثقافي خيرا لأنهم يعتبرونها مرحلة حضارية تمنح حق التنافس الشريف، إلا أن تلك الفرحة تضاءلت من أول عملية انتخابية لعدة أسباب و أولها «الشللية» والتكتلات التي حدثت وكذلك المناطقية والعصبية البغيضة، وزيادة على ذلك سماح اللائحة بدخول أعضاء ليس لهم أي دور فاعل في الجانبين الأدبي والثقافي، كأن يحمل مؤهلا جامعيا في اللغة العربية، والمشكلات التي سببها الاقتراع الإلكتروني الموجّه.
ومضى عامان ثقيلان ومعظم الأندية الأدبية تعيش خمولا بائنا، ولم نلحظ أي نشاط بارز عدا أندية محدودة، ويعود تميّز تلك الأندية في ظني للمناخ الثقافي المناسب وانسجام الرؤى بين أعضاء مجالس الإدارة. والوعي الذي يحمله هؤلاء بعيدا عن التلميع الشخصي، والمآرب المالية، والمصادمات التي لا لزوم لها، وبعضها لم يتمكن من الانفكاك من المشكلات المتوالدة، كنادي جازان رغم محاولة مدير عام الأدبية الأستاذ حسين بافقيه المشاركة في وضع حلول تخدم الثقافة الجازانية.
إذاً ثقافة الناخب هي التي تُحدّد مسار الأندية متى اجتثت كل العلل المرضية (التعصب، المناطقية، النرجسية) فسوف تنهض الأندية وتقوم بأدوارها الذي من أجله تأسست، محققة أهدافها. إثراء للأدب والثقافة، وبما أن اللائحة المعدلة استلمها معالي وزير الثقافة والإعلام قبل أيام قلائل، ووافق على مشاركة أكبر شريحة من المثقفين، فإن المجتمع بجميع أطيافه يتطلع أن تقوم الأندية بمهامها بشكل أفضل. بعيدا عن المشكلات غير المبررة، الكرة الآن في مرمى المثقفين بالمشاركة الفعلية في تقديم اقتراحاتهم وملاحظاتهم قبل الاعتماد الفعلي.
ومن خلال تجربتي البسيطة كعضو مجلس إدارة في أدبي الباحة أعرف أن المعونة المالية المخصصة للنادي مليون ريال فقط، يُصرف منها قرابة 800 ألف ريال في مكافآت لأعضاء مجالس الإدارة العشرة والرواتب الزهيدة لموظفي النادي وقيمة إيجار المبنى، ولم يتبق للنشاط الثقافي الفعلي سوى مائتي ألف ريال فقط أي نسبة 20% من إجمالي الميزانية وتذهب مبالغ منها في النثريات.
وربما لهذا السبب في كون أكثر من ثلاثة أرباع المعونة المالية تُصرف كمكافآت لقاء جلسات ومخصصات للأعضاء. وللأسباب الأخرى التي ذُكرت نجد أنشطة الأندية خاملة، ولما كانت المعونة زهيدة لا تتواءم وظروف العصر حيث الزيادات في الأسعار وبقاء المعونة كما هي منذ أكثر من ثلاثة عقود. لهذا أقترح شيئين، إلغاء مكافآت الأعضاء مثلهم مثل أعضاء مجالس إدارات الأندية الرياضية، من أجل الاستفادة منها في المناشط الثقافية، وحتى تتكشف الأقنعة للذين يسعون من أجل المادة، أو زيادة مخصصات الأندية الأدبية لثلاثة ملايين ريال لتقوم بمهامها ولتصبح منارات ثقافية، كي تستطيع أن تكمل بناء مقراتها دون اللجوء إلى طرق أبواب رجال الأعمال الذين لم يبادروا في الوقوف مع الأندية سوى رجل الأعمال معالي الدكتور ناصر بن إبراهيم الرشيد الذي استعد لبناء مقر نادي حائل بتكلفة تزيد عن ثلاثة وعشرين مليون ريال، وهذا دليل على الوعي الذي يمتلكه والرؤية البعيدة لما تُشكله الأندية من أهمية طليعية في إثراء المشهد الثقافي.
ومضة: الثقافة لا يمكن أن تنمو وتترعرع إلا في مناخ صحي وشفاف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٦١) صفحة (١٢) بتاريخ (١٧-٠٦-٢٠١٣)