القراءة ومراودات النص.. تجربتي في التغيّر من «قارئ أفضل» إلى «كاتب أفضل»

عواض العصيمي

طباعة ١ تعليق

عواض العصيميكاتب وروائي سعودي

تبقى القراءة في كل الأحوال نشاطاً فردياً، وكل قارئ في الأدب، في السرد بأنواعه، لا يأتي إلى النص إلا مذخراً بما هو خارج النص من ثقافة وتجارب وخبرات وإعمال نظر، لكن تظل للنص (الإبداعي) ممكناته المرنة في الاتصال بغير قارئ، فكما أن للقارئ سلطته على النص، قبل الكتابة وبعدها، فإن للنص الجيد تأبّيه على الانقياد لقراءة واحدة، أو لتأويل معين، لكن لهذا التأبي شروطه -إن جاز ذلك- منها أن يحمل مناوراته العالية في تفادي التنميط، القراءات القارة، ولا يمكن ذلك إلا بتفادي العادات التقليدية في التلقي، أي مغادرة منطقة التلقي التي نشأت على عدم التفريق بين الحكاية مكتوبة في قالب إخباري بسيط، والحكاية نفسها متدفقة من فم «راوٍ» حاضر.
لا أتحدث هنا موجهاً كلامي لأحد، لكني أتحدث في شكل عام عن إشكالية تلقي النصوص، أو القصة هنا، التي تكتب بلغة متدفقة من ذرى تتقارب فيها المويجات الشعرية والقصصية على نحو يسمح بتوسيع قوس التأويل إلى أبعد من مدى قارئ واحد، هذا النشاط الذي يقترفه البعض، قد يحمل براعة كاتبه في تمثله، وفي تشكيله بلياقة فنية مقنعة، وقد ينطوي على نزعة تجريبية لا تعد بكثير إلا في رأس كاتبها. في الطرف الآخر، من جهة القارئ، تتفاوت المراودات بين حذرة بالكاد تلامس تخوم النص، وأخرى مغامرة في العمق، وكل مراودة بحسب مرتكبها، وبحسب ما تثير من أسئلة وإقلاقات، لكن الكل رابح في نظري، فالنص الجيد هو البضاعة التي لا يؤوب منها المراود فارغ البال، وبقليل من الجرأة يمكن أن أطلق عليه النص الشقي، قاصداً بذلك أنه لا يفلت قارئه من دون أن يترك فيه شيئاً منه، أما الكتابات التي تؤتى من القطفة الأولى، أو تقول كل ما عندها من الوهلة الأولى، فتعبر عن نشاط الرمق الأخير في الكتابة، في الماثل من الكاتب كل يوم، في علاقة الكاتب بعادات كتابية منقضية لكنها سائدة، ووقع هو في سطوتها إما بوعي أو من دون، وبالتالي فإنه كلما رامت نفسه التطاول عليها ألفاها تتهاوى أكثر في أجرفها السحيقة، ولا يمكن التحرر منها إلا بتغيير عاداتنا في القراءة، في التعامل مع المكتوب، الأدبي أقصد، ليس بواسطة العين العابرة وإنما بالأخرى النافذة، المتمهلة في تأمل الكائن الواقع تحت بصرها، هذا التعالق الواعي والحميمي في الوقت نفسه يصنع تاريخه من اللحظة التي يبدأ فيها القارئ كاتباً آخر، أي الكاتب الذي أخضع عقله وذوقه وفنه لتأهيل جديد في الاتصال بالنصوص وكتابتها، سيكتشف أنه صفق باب التجارب الأولى خلفه وشرع في ارتياد فضاء يبدو فيه كل شيء مختلفاً.
أتحدث هنا من تجربة لا أدعي أنها كبيرة، لكنها كانت قوية لدرجة أنني تغيرت إلى قارئ أفضل، وبالتالي إلى كاتب أفضل. حدث ذلك منذ عقدين ونصف العقد تقريباً، فقد كنت بأدوات الاتصالات الأولى بالكتابة أبعث إلى إحدى المجلات المحلية أوراقاً من مكتوباتي العفوية، أو ما كنت أعتقد أنه قصص قصيرة، وكانت دائماً تنشر في صفحات الخواطر، وكنت أمتعض من هذا التصرف الذي يطبق المحرر بنوده عليّ باستمرار، حتى جاء وقت لم أطِق فيه الصمت فبعثت له برسالة ناقمة مبدياً فيها احتجاجاتي ككاتب مضطهد وكقارئ مهمَل، وفي أحد الأيام رد عليّ بجمل قصيرة، ولكنها كانت كافية لأن تنبهني إلى الخطأ الذي وقعت فيه في البداية، ثم لم أتركه بعد ذلك، وهو أنني في قراءاتي كنت أستعين فقط بإمرار العين على النص مكتفياً بالمتعة المبتذلة التي كانت تمنحها لي العين الأولى، أي العين العابرة لمرة واحدة، وكنت من أجل أن أحافظ على هذه المتعة أبحث عن النصوص التي توفرها لي، أي النصوص السهلة، نصوص العين الواحدة، كالخواطر التي تنشر في المطبوعات اليومية، والتغنيات الوجدانية التي كان يبرع فيها كتَّاب محليون، وبعض ما يكتب باسم الشعر في قوالب عمودية مفهومة جداً آنذاك، ولم أكن أبتعد عن هذا المرتع كثيراً، لذلك جاءت كتاباتي في الفترة نفسها من المنهل نفسه، وعلى نسق الضرب الكتابي ذاته. رسالة المحرر الحكيم، نبهتني إلى تغيير عادتي في القراءة، اقتلاع العين الأولى بالأحرى، وإحلال العين النافذة محلها، ولكي يتحقق هذا النشاط غيّرت كلياً المكان الذي اعتادني قارئاً على منواله، واتصلت بالأدب الأرفع درجة، فتكشفت لي قممه وذراه، ما سمح لي بعد مرور زمن بالاشتباك مع النصوص من جهة القارئ المستزيد كماً ونوعاً، لكن هذا التحول لم يشكل لي موضع قلم في كتابة مختلفة إلا بعد سنوات من المثابرة إن كانت تستحق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٦٣) صفحة (٢٢) بتاريخ (١٩-٠٦-٢٠١٣)