يتساءل كثيرون لماذا معظم المشاريع الحكومية تحتاج إلى صيانة بعد إنجازاتها بسنوات قليلة؟ بل إن بعضها يُصان قبل استلامها..
قال المفسرون: إن ثمة أسباباً وراء ضعف الجودة، ورداءة العمل، وسوء التنفيذ، وتبديد الثروة، وإهدار المال العام، حيث يُطرح المشروع على إحدى الشركات أو المؤسسات ذات الحظ العظيم.. لتقوم بتسليمه إلى شركة أخرى، وهكذا عملية استلام وتسليم لشركة ضعيفة أو مؤسسة فاشلة وتقوم بتنفيذه ليخرج بصورة مهلهلة، رداءة في التنفيذ، ونقص في المواصفات..
إذاً الاستلام من الباطن هو مكمن الخلل، ومع الأسف أنه قائم ومستمر أمام أنظار الجميع «عيني عينك»، وليس هناك رادع أخلاقي، أو ضمير حي، أو قانون يردع مثل هذه الممارسات، التي من نتائجها مشاريع بائسة، وخسارة فادحة للوطن والمواطن…
ولما كان الاستلام من الباطن صورة قبيحة للفساد.. فلماذا لا تُسن الأنظمة وتُفرض القوانين لاجتثاث مثل هذا الوباء المنتشر؟ ولماذا لا يتم إلزام الشركات أو المؤسسات التي وقّعت العقود برضا واتفاق على الثمن والزمن أن تستمر في التنفيذ؟ ومنعها أن تسلمه لجهة أخرى.. وإذا حدث مثل هذا يُسحب المشروع منها مباشرة، وتُصنف في القائمة السوداء، وتُحرم من فرص توقيع عقود أخرى، وعلى مستوى جميع الوزارات..
الذي لفت انتباهي مدينة الملك سعود الرياضية في منطقة الباحة، هذا المشروع الذي تم تنفيذه منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، إبان فترة الأمير فيصل بن فهد – يرحمه الله – حين كان وقتها رئيساً عاماً لرعاية الشباب، ومازال المشروع الرياضي بجمال بنيانه، وأناقة تصميمه، ومتانة جدرانه، وبهاء ساحاته، وروعة صالاته.. هذا أنموذج للمشاريع التي تتوق لها النفس، وتبتهج لها الروح، ونتمنى أن تكون مثله جميع مشاريعنا الحكومية…
نستنتج أن المشروع ذاته استلمته شركة أو مؤسسة أخلصت في العمل، وراعت عند تنفيذه الموصفات الهندسية والفنية المطلوبة، ليكون أحد شواهد التنمية في منطقة الباحة..
في ذات الوقت نلحظ مشاريع أخرى متصدعة جدرانها، قبيحة شكلها، سيئة التنفيذ تأتي الأمطار لتكشف سوء التنفيذ، بتسرب المياه عبر أنابيب الكهرباء فضلاً عن تركيب ما قل ثمنه وضعفت جودته في المواد الكهربائية والصحية وغيرها.
سؤال صعب ومؤلم يقفز من حشاشة الضمير.. لماذا؟
علماً بأن المبالغ المالية التي أعطيت للشركات أو المؤسسات مجزية.. وكفيلة وكافية لتنفيذ مشروع وطني بمواصفات هندسية وفنية عالية جداً دون احتياج إلى صيانة إلا بعد عشرات السنين.
المشكلة واضحة تماماً كالشمس في رابعة النهار.. بعض الشركات والمؤسسات همها الوحيد التكسب من وراء هذه المشاريع بطريقة غير لائقة، وفيها انتهازية مزعجة، وبأسلوب «المنشار» يأكل في الذهاب وينهش في الإياب، تحرص على توفير المال بأكبر قدر ممكن لصالحها، بصرف النظر عن جودة المشروع، ودوره في خدمة المجتمع.
والمشكلة بطبيعة الحال تتفاقم، خصوصاً إذا ما علمنا بأننا نعيش في ظرف اقتصادي جيد قد لا تتوافر مثل هذه السيولة المالية في الأزمنة القادمة..
فالميزانية أصبحت بالترليون والوزارات تأخذ نصيبها بالكامل من موازنة الدولة، بقي الدور عليها في تحقيق التنمية الحضارية التي ينشُدها كل مواطن.
بلادنا – ولله الحمد – تشهد تنامياً سريعاً في جميع المجالات.. إلا أنه مع الأسف الشديد هناك مَنْ يحاول إعاقة عجلة التطور بعدم إخلاصه وضعف وطنيته وقلة اكتراثه بالنتائج، وينظر فقط لمصلحته الشخصية.
الأمنية أن يُسن قانون يرفض نهائياً عملية الاستلام من الباطن.. ويُعاقب مَنْ يحاول ممارسة هذا الأسلوب، لأن المشروع حين يُسلم لشركة يبدأ بعشرات الملايين لينتهي بثمن بخس، تنفذه شركة أو مؤسسة فاشلة، ليخرج مشروعاً باهتاً، يحتاج إلى صيانة قبل استلامه..
وهذا الذي حدث ويحدث.. والله المستعان..
ومضة: التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى من أهم ركائز التطور، مع ضرورة المحاسبة السريعة والقاسية لكل مَنْ يسعى في إهدار المال العام…

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٦٨) صفحة (١٦) بتاريخ (٢٤-٠٦-٢٠١٣)