يبدو أن عملية الانتقال الديمقراطي التي أعقبت الربيع العربي باتت مهددة تماماً، والدليل عودة الجيش المصري إلى الشارع بعد أن ظنّ المصريون أنه سيغادر المشهد السياسي بلا رجعة، ها هم جنود القوات المسلحة ينتشرون بدايةً من يوم أمس في جميع المحافظات المصرية تحسباً لتظاهرات تقول المعارضة إنها قد تُسقِط النظام الجديد.
الجيش عاد لأن فرقاء السياسة فشلوا في قيادة البلاد نحو توافق واستقرار، أهدروا فرص الحوار، وتمادوا في تبادل الاتهامات والعداوة، فعمَّ الاحتقان المجتمع، وباتت مكاسب ثورة 25 من يناير مهددة، وفي مقدمتها تسليم السلطة في مصر إلى المدنيين، أصبح الأمر محل شك.
الجيش في مصر لَزِم ثكناته طيلة عام بعد أن حكم ثلاثة من أبنائه هذا البلد لستة عقود، لكنه فوجئ بأن الكل يستدعيه، فالسلطة تطلب منه النزول لتأمين البلاد؛ لأن قوى الأمن وحدها لا تكفي، والمعارضة تدعوه سراً وعلناً إلى إبعاد الرئيس عن الحكم، لذا لم يكن أمامه من حل إلا إعادة نشر قواته في طول مصر وعرضها.
سيكون السيناريو الأسوأ لو عَرَفَت القاهرة في 30 من يونيو فوضى، يراها البعض قريبة، تنسف عملية الانتقال الديمقراطي، وتعيد الجيش إلى السلطة مجبراً، حينها لن تكون إعادته إلى معسكراته أمراً يسيراً، خصوصاً أن المدنيين نالوا فرصتهم وفشلوا.
ما يحدث الآن في القاهرة «مصيري» بالنسبة لدول الربيع العربي، قد تتحول ثورة يناير إلى ما يمكن وصفه بـ «ردة عن الديمقراطية»، وقد تُسجَّل كأسرع ثورة انتهت، قد تحيل هذا الربيع «خريفاً».
إن حالة الاحتقان التي دفعت العسكرية المصرية إلى تصدر الحياة السياسية مجدداً، تعكس ارتكاب الساسة خطأً بالغاً بالاستغراق في الخلافات في توقيتات عصيبة، ولعل هذا ما ذهب بهم إلى مرحلة اللاعودة، لقد منحهم الشعب المصري ثقته بعد الثورة، ثم عاد ليسحبها، ويطلب عودة الجيش إلى الشارع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٧١) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٧-٠٦-٢٠١٣)