إعلان الاتحاد الأوروبي رفع الحظر عن تزويد المعارضة السورية بالسلاح، شكل امتعاضا ورفضا من قبل روسيا الاتحادية، لكنه فتح الباب أمام سباق لتسليح الأطراف المتصارعة في مختلف المناطق السورية. ويبدو أن موسكو التي سبق أن أعلنت أنها لن توقف إرسال شحنات السلاح إلى دمشق باعتبارها «عقودا تم التوقيع عليها قبل اندلاع الأزمة السورية»، وفق التوضيحات الروسية، لكن الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلًا عن إسرائيل ترى أن تزويد سوريا بصواريخ نوعية سوف يخل بالتوازن العسكري في المنطقة، وهو أمر ترفضه بشكل مطلق تل أبيب، التي تراقب المشهد الداخلي عن كثب، وتبحث عن مزيد من المسوغات لإقامة دول على أساس ديني ومذهبي؛ لتقنع العالم بيهودية الدولة الصهيونية.
بعد أكثر من سنتين على الصراع في وعلى سوريا، يمكن القول إن هذا البلد دخل مرحلة الدمار الشامل في مختلف مناطقه إلا ما نذر. وتأكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحل الأمني والعسكري لا يمكن أن يحل معضلة حقوق الإنسان والديمقراطية والكرامة والعزة والإصلاح السياسي…وهي شعارات رفعتها الثورة السورية في بداياتها الأولى وواجهها النظام بالقمع الوحشي الذي قاد إلى هذا المنزلق الأمني التدميري الخطير، وفتح المجال واسعا أمام التدخلات الإقليمية والدولية بصورة فاضحة، ووجدت بعض القوى المتشددة فرصة لتجميع آلاف العناصر من مختلف دول العالم، ولتشكل كتائب لها على أرضية «النفير العام» في مواجهة النظام السوري وحلفائه.
في المشهد الداخلي، تتحرك حاليا قوات النظام تجاه أكثر من منطقة، وتضغط على قوات المعارضة المتباينة في توجهاتها، وتزداد مساحات الأراضي المحروقة وعمليات التهجير التي يتعرض لها الشعب السوري، حيث تتزايد أعداد الفارين المدنيين من المعارك الطاحنة لتصل إلى عدة ملايين داخل وخارج سوريا، بينما تتزايد أعداد المعارضين العسكريين والمدنيين الذين يفترض أن يقدموا للمحاكمات بعد إصدار وتفعيل قانون الإرهاب لتشمل المعارضين السلميين، حيث تتحدث بعض المعلومات عن أكثر من 55 ألف متهما في هذه المسألة وحدها.
لاشك أن وصول سلاح نوعي جديد للقوات المعارضة، من جيش حرّ وكتائب النصرة المحسوبة على تنظيم القاعدة، قد يغير بعض الشيء من المعادلات على الأرض، لكن ما هو مؤكد أن حجم الصراع بلغ مراحل متقدمة يصعب معها التكهن بالنتائج النهائية لهذا الصراع الدامي قبل أن تأتي الحرب على ما تبقى من بشر وحجر، وإخراج سوريا نهائيا من معادلة الصراع في المنطقة، وتحويلها إلى عالة تستجدي المساعدات من كل حدب وصوب. الشعب السوري في حاجة ماسة إلى العيش الكريم الذي فقده، ولاجئوه الذين يمضي عليهم الصيف والشتاء، هم في حاجة ماسة إلى الدعم الحقيقي الذي يحافظ على كرامتهم ويصون أعراضهم من عبث الانتهازيين والمنتظرين آلام الضحايا.
في خضم هذه المعطيات يتزايد الحديث عن تأجيل، إن لم نقل إلغاء، مؤتمر جنيف 2 حول سوريا الذي اتفقت عليه العاصمتان الرئيسيتان: واشنطن وموسكو. وما صرح به المبعوث الأممي لسوريا الأخضر الإبراهيمي من أنه من الصعب عقد المؤتمر العتيد في شهر يوليو (تموز). وهذه تقدم مؤشرات واضحة على أن الصراع سوف يحتدم أكثر بين النظام والمعارضة لقضم مناطق هنا أو هناك لصالح أحد الطرفين، فيما تشهد المنطقة سعيا محموما لإعادة تركيبها بطريقة جديدة تكون فيها الدويلات الطائفية والمذهبية المركز الذي يصوغ علاقات البلدان التي ستخرج من تحت الرماد مثخنة بجراحاتها وغير قادرة على النهوض مرة أخرى، حيث سيتحول مصدر القرار إلى أماكن غير الموجودة حاليا لهذا السبب.
قد يكون مؤتمر جنيف 2 الفرصة الأخيرة -إنْ عُقد- باعتباره ينتظم بضمانات دولية من شأن نتائجها أن تُوجد وقائع جديدة على الأرض. وما التحذير من عدم عقده إلا مؤشر على استمرار الصراع الدموي والاحتراب الداخلي الذي سيقود إلى مزيد من التفتيت ناهيك عن القتل المتصاعد للشعب السوري الذي شارف على المائة ألف قتيل، فضلا عن الجرحى.
سيصل السلاح إلى كل الأطراف المتصارعة، بما فيها المتشددون الذين يراقب الغرب مواقعهم على الأراضي السورية، ويبعث برسائل قلق واضحة لزعماء المنطقة إزاء هذه التغيرات المحتملة التي تزداد رسوخا بإمكانية قفز المتشددين على السلطة مع احتدام الصراع غير المعروفة نتائجه. وصول السلاح يعني أيضا أن المحيط السوري لن يكون بعيدا عنه، حيث يتأهب كثير من القوى لتفعيل قواها السياسية والعسكرية إن أمكن، ما يعني دخول المنطقة برمتها في أتون التجاذب الذي يمكن أن يصل إلى الاحتراب الداخلي إذا تركت الساحة السورية على ما هي عليه الآن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٧٢) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٨-٠٦-٢٠١٣)