في نهاية كل عام دراسي جامعي نشاهد عبر الصحف والتلفاز الأعداد الهائلة للخريجين والخريجات من تلك الجامعات في جميع مناطق المملكة وخارجها بمختلف تخصصاتهم العلمية والأدبية.
وكما هو معروف فإن الدولة توسَّعت في افتتاح الجامعات في جميع مناطق المملكة ومحافظاتها فأصبح لدينا ما يقارب الـ (23) جامعة بمختلف التخصصات العلمية والأدبية، وقد بلغ عدد الطلاب والطالبات بتلك الجامعات ما يربو على المليون طالب وطالبة بمختلف التخصصات، وكما هو معلوم فإن عدد سنوات الدراسة الجامعية يمتد من خمس إلى ست سنوات دراسية، وفي كل سنة تزيد أعداد الطلاب والطالبات المسجلين بتلك الجامعات، وأغلب هؤلاء الطلاب يحتاجون بعد تخرجهم إلى وظائف حسب تخصصاتهم .
لا شك أن مشهد هؤلاء الطلبة وهم يرتدون زي التخرج يدعو للفخر والاعتزاز، وقد جاء وقت الحصاد ليجنوا ثمرة تعب وجهد سنوات ليبدأوا مرحلة جديدة من حياتهم ألا وهي البحث عن العمل، والرقم المهول للطلاب والطالبات الجامعيين يجعلنا نتساءل: ماذا سنفعل بهذه الأعداد الغفيرة من الخريجين في السنوات القادمة؟ كيف يمكننا استيعاب هؤلاء الطلاب والطالبات سواء في سوق العمل في القطاع الخاص أو في المؤسسات الحكومية؟
نعم الدولة ليست مسؤولة مسؤولية كاملة عن توظيف الجميع؛ ولكنها مسؤولة عن تقديم التعليم الصحيح والمناسب الذي يسهم في تزويد الطلاب بالمهارات والمعارف التي تساعدهم في الانخراط بسوق العمل، وهذا يعني إيجاد وظائف مناسبة لهم بعد تخرجهم، وما الإجراءات الجريئة التي يتم تنفيذها من قبل وزارة الداخلية والعمل والمتمثلة في تصحيح أوضاع العمالة الوافدة وإعطائهم مهلة لتصحيح أوضاعهم أو الرحيل إلى بلادهم، إلا إجراء مهم ومناسب سيساعد على فتح آفاق جديدة وواسعة أمام أبنائنا الراغبين في العمل بالقطاع الخاص أو تأسيس منشآت صغيرة يبدأون من خلالها حياتهم العملية؛ لأن المنافسة قد زالت وانتهت من قبل بعض العمالة الوافدة.
ولكن السؤال المهم هو: هل القطاع الخاص قادر أو مهيأ لاستيعاب هذه الأعداد من الخريجين ؟ كما أننا نتساءل هل لديهم إمكانات وقدرات مادية تعينهم على فتح منشآت صغيرة خاصة بهم؟
في ظني أن أغلب الأعداد ستتجه للبحث عن العمل في المؤسسات الحكومية حتى وإن كان الراتب قليلاً، هذا الميل نحو الوظائف الحكومية يجعلنا نتساءل: لماذا هذه الثقافة مازالت مهيمنة على فكر ومخيلة الشباب في بلادنا؟
لعل الأسباب كثيرة وأهمها: أن بيئة العمل في القطاع الخاص مازالت بيئة غير جاذبة وصالحة للسعوديين؛ بسبب تدني أجور العمال، وكذلك طول ساعات العمل والإجازة الأسبوعية لمدة يوم واحد فقط، هذه أبرز المعوقات التي ينفر بسببها السعوديون من القطاع الخاص، لذلك لابد من الإسراع في اتخاذ تدابير في هذا الشأن لجعل بيئة العمل للقطاع الخاص بيئة جاذبة وليست طاردة لأن من غير المعقول أن تستوعب المؤسسات الحكومية كل تلك الأعداد المهولة من الخريجين والخريجات.
الجانب الآخر هو وجود مئات الآلاف من الموظفين المدنيين لم يتبق على تقاعدهم الكلي سوى سنوات قليلة، ولدينا تجارب ناجحة قامت بها بعض الشركات والمؤسسات الحكومية الكبرى؛ وذلك بشراء تلك السنوات من بعض الموظفين وهو ما يعرف بـ (الشيك الذهبي)؛ حيث تم فتح المجال أمام الآخرين للعمل بتلك المؤسسات، فلماذا لا تقوم أغلب الجهات الحكومية بشراء السنوات المتبقية من بعض الموظفين ويكون ذلك وفق معايير توضع لهذا الشأن، فنحن من خلال هذا الإجراء نكون قد حققنا عدة مكاسب من هذا العمل ألا وهي إحلال عدد كبير من موظفي الدولة الذين عملوا بها مابين ثلاثين إلى أربعين سنة، وكذلك استفادة كثير من الموظفين من تلك المبالغ المالية وتشجيعهم على فتح مشاريع خاصة بهم، وإتاحة الفرصة لمئات الآلاف من الخريجين والعاطلين عن العمل للالتحاق في أجهزة الدولة وضخ دماء شابة وجديدة في تلك الوزارات والمؤسسات مما سيعود بالنفع الكبير عليها من ناحية التجديد والتطوير، أضف إلى ذلك أن تنفيذ وتفعيل مثل هذه القرارات سيؤدي إلى انخفاض البطالة بشكل كبير، وستقل المشكلات والسرقات وينخفض معدل الجريمة في بلادنا.
ختاماً أقول: وما نيل المطالب بالتمني …. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، نعم إذا أردنا أن نحقق لبلادنا الرفعة والنمو فلابد من اتخاذ قرارات جريئة وفاعلة تشمل القطاعين العام والخاص فهذه القرارات والتدابير الشجاعة قد تصلّح من أوضاعنا لفترات قادمة نستطيع فيها بناء وطننا وحضاراتنا على أكمل وجه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٧٣) صفحة (١٢) بتاريخ (٢٩-٠٦-٢٠١٣)