إذا جاز لنا أن نقول إن هناك «ثقافة سعودية» وأن لهذه الثقافة سلماً قيمياً، فإنه يمكن القول وبثقة عالية إن احتقار الفنون يسكن قلب هذه القيم. وتتبين هذه المسألة عند فحص العلاقة المضطربة للسعوديين بعوالم الفنون السمعية والأدائية (الموسيقى والغناء والرقص والتمثيل والمسرح) بشكل خاص. حتى بالنسبة لكثير ممن سالت دموعهم مساء الأحد الماضي تفاعلاً مع فوز محمد عساف في «آراب آيدول»، يسكن داخلهم ذلك الأنموذج الأخلاقي المتعالي على «وصخ» الفن وعبثيته وعدم جديته. والأغرب أن يحدث هذا رغم التراث الموسيقي هائل التنوع لنا نحن السعوديين، بحكم تنوع الثقافات الفرعية المكونة للهوية السعودية من ناحية وبحكم الحقيقة المتمثلة بأن مكة كانت ولقرون طويلة بمنزلة طنجرة تصهر فيها ثقافات الشعوب الإسلامية القاطنة فيما بين سهول وسط آسيا وجزر جنوبها حتى حواف السافانا في إفريقيا. ويمثل التناقض المؤلم بين الهجوم الواسع على من يدعو لفتح صالات سينما في السعودية وبين هجوم العائلات السعودية على قاعات السينما في المدن الخليجية المجاورة معلماً صارخاً لهذه العلاقة المضطربة. يمكن اختصار الصورة بالتعبير التالي: يستمتع الفرد السعودي بالفنون السمعية والأدائية (مثله مثل باقي البشر) لكن سلم القيم الذي يتبناه يحتقر هذه الفنون. إنها معضلة، ليس لأنها توجد التناقض، فطبيعة البشر أن يحدث لديهم تناقض ولا بأس في هذا. بل هي معضلة بسبب إزاحتها الفن من عوالم الجمال الممجدة أخلاقياً إلى عوالم الخطيئة المرذولة أخلاقياً. بتعبير آخر، هي معضلة ليس لأننا بهذه الطريقة نتناقض بل لأننا نجعل مما هو جميل مرذولاً وبشعاً. معضلة، لأننا صنعنا سلماً من القيم يتناقض مع ميولنا الفطرية، فنتألم لأننا جعلنا مما هو ضروري وجميل هامشياً ومرذولاً من ناحية ولأن هذه القيم تجرد الفرد، وحتى المجتمع والأمة، من مصادر قوة بإزاء الحياة بتصويرها الفن كشيء وضيع ومصدر للضعف والخور من ناحية أخرى. لنأخذ ردود الفعل على فوز محمد عساف بـ«عرب آيدول» كمثال.
فمحمد عساف بقدر ما هو متسابق مثله مثل غيره بقدر ما ينطوي وجوده في البرنامج وفوزه على تعقيد لكونه فلسطينياً. شكلت القضية الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني بعداً لهذا الفوز. لنتأمل كيف تم تناول هذه المسألة في تعليقات شخصيات سعودية «جادة» وأخرى فلسطينية على ذات القدر من الجدية.
كتب الناشط والأكاديمي السعودي د.محمد الحضيف في التويتر معلقاً على فوز محمد عساف التغريدات التالية:
-1 «ليس لدي مشكلة مع #محمد_عساف. شاب نتاج بيئة عربية يصنعها تجار الرذيلة في MBC، في ظل انحطاط عربي عام صنعته أنظمة تروج لـ (عرب آيدول)».
-2 «وليس لدي مشكلة مع (فرح) الفلسطينيين في الأرض المحتلة بـ #محمد_عساف. هكذا هم غالب شعوبنا، صنعت الأنظمة لها (ثقافة) نجاح تافهة وهامشية..ومسختها».
لقد اخترت الدكتور الحضيف لأنه معبر بشكل ما عن رؤية قيمية مقبولة بشكل واسع، فالرجل يحظى بثلاثمائة ألف متابع، والتغريدتان أعلاه نالتا أكثر من خمسمائة إعادة تغريد وتفضيل. تفصح التغريدتان عن مزاج يضع الفن، ويمثله الغناء في هذه الحال، مرادفاً للقيم السلبية التالية: تجارة الرذيلة، الانحطاط، أنظمة سياسية تهندس هذا الانحطاط، التفاهة، الهامشية، المسخ. مع خطاب كهذا، لن تبقى شرعية للفن، لأقل للغناء تحديداً. وليس من المستبعد أن تجد تبنياً لهذا المنظور الأخلاقي للفن حتى من قبل من ذابت أرواحهم وجداً في متابعة هذا المتسابق أو ذلك وسالت دموعهم عند إعلان النتيجة!
و بما أن عساف فلسطيني وأن الوجع الفلسطيني، الساكن في قلب الوجدان العربي، يحضر كأحد أبعاد هذا الفوز، فإن التغريدات أعلاه تضع ظاهرة الغناء والعرب آيدول وعساف في مواجهة واضحة مع القضية الفلسطينية وليست بعداً لها. بكلام آخر، يظهر الفن، وفق هذا المنظور، كعامل مضر بقضايا الأمة واستحقاقاتها. لكن هل هو حقاً كذلك؟ لن أقلب هذه المقالة لتكون محاضرة عن وظائف الفن، وفي قلبه الموسيقى والغناء، للأمم، عفواً عن الأفراد. لكن، لننتقل لجزء آخر من الصورة، لتغريدات رأت في الفن، الذي مثله محمد عساف، أحد أسباب قوة الفلسطينيين وعدم قدرة الإسرائيليين على إذابتهم. كتب الباحث البارز في العلوم السياسية د. شفيق الغبرا التغريدات التالية:
-1 «الفارق بين الهنود الحمر والفلسطينيين أن الهنود لم يكن لديهم درويش وسعيد ومرسيل وفيروز وقباني، والبرغوثي، وعساف. المعركة حضارية».
-2 «الفن يصيغ الروح، الأمم التي انتصرت في القرن العشرين: قادت بالأدب والفن والعلم. لا تعزل الفن عن التقدم خاصة إن كان فنا أصيلاً».
يذهب الغبرا في الاتجاه المعاكس تماماً للحضيف. فالفن لديه ليس فقط خلاصاً فردياً أو يؤدي وظائف جمالية وأخلاقية للفرد، بل إنه أحد عوامل انتصار الأمم على أعتى القوى العسكرية وأشدها بطشاً وجبروتاً. إنه منظور لا يحتفي بالفن تلبية لنزوع فطري أو دواعٍ فردية قد تكون مشروعة لبعضهم ومنزوعة الشرعية لآخرين فقط بل يؤسس شرعية له نابعة من ذات الخطاب الذي انطلق منه الحضيف، أي خطاب كفاح الأمة ضد أعدائها. فالغبرا يجعل الفن شريكاً في صناعة الصمود الفلسطيني في وجه محاولات الاقتلاع والتذويب، مقارناً إياه بذوبان الهنود الحمر أمام الرجل الأبيض في «الأراضي الجديدة».
سيجد النزوع الفطري، بالغ الفردية، للفن والغناء والجمال شرعيته في خطاب حضاري مثل ذاك الذي يبسطه الغبرا لأن حاجات الذات ورغباتها، في سياقنا الثقافي، ليست مصدراً لإسباغ الشرعية على الخيارات التي لا نستطيع أن نستغني عنها وفي نفس الوقت نتبنى منظورات تحتقرها وتؤثمها فنمارسها بمنظور الإثم والرذيلة. يجب أن يتخلص نسقنا الأخلاقي من المنظور المتشبث بأن الفن المشروع الذي «يفيد الأمة في كفاحها وسعيها نحو النهوض» هو فقط وفقط ذاك المتمثل بأنشايد من قبيل:
«بجهادنا سنفتت الصخرا ونمزق الطاغوت والكفرا»
فالروح الفلسطينية، أكبر ضحايا حداثة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الروح العصية على الذوبان عبر العقود الماضية كانت تتفجر حياة وفرحاً وجمالاً مع محمد عساف وهو يغني:
«إحنا زرعنا البيّارة تين وزيتون
وبذار القمح علينا وبيدر ليمون»

عبدالسلام الوايل
أستاذ اجتماعيات العلوم والمعرفة بجامعة الملك سعود
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٧٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٩-٠٦-٢٠١٣)