ثمة جملة من المعطيات أفزعت المجتمع المصري والعربي قبيل الثلاثين من يونيو الماضي، يوم الغضب الشعبي الذي فجر الميادين في مختلف المحافظات المصرية. الأولى صف الطوابير على محطات البنزين التي وصلت في أحيان كثيرة إلى عدة كيلومترات، حيث الأزمة تزداد استفحالا دون أن يلوح في الأفق حلٌ لها، بل امتدت لتشمل تزايد ساعات انقطاع الكهرباء والماء عن عديد من المحافظات المصرية بما فيها القاهرة. الحادثة الثانية هي عملية سحل مواطنين مصريين بتحريض مذهبي فاقع، بعد قتلهم أبشع قتلة، ما جعل فصائل المعارضة «تبلل شعرها» بعد أن «وصل الموسى إلى رأس جيرانها» كما يقول المثل الدارج. أما الثالثة فهي إعلان الرئيس المصري محمد مرسي قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، بينما العلم الإسرائيلي يرفرف في سماء القاهرة. لقد تصرف مرسي كرئيس حزب، وليس رئيسا لدولة مترامية الأطراف تشكل العمق البشري والجغرافي في الوطن العربي.
في المشهد الداخلي أرادت حركة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة تقديم نموذجها في الحكم وإدارة الدولة، لكنها فشلت في السياسة، كما في الاقتصاد والاجتماع. فبعد عام من حكم الإخوان، يرصد المصريون جردة الحساب ويراقبونها: تراجع النمو الاقتصادي إلى أقل من 2.3 % العام الحالي من 5.2 حققها الاقتصاد في العام الماضي، وزيادة نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، فرغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى زيادتها من 12.5% العام الماضي إلى 13.4% العام الجاري، إلا أن بعض الإحصاءات غير الرسمية ترفع النسبة إلى قرابة 40%، وزادت معدلات الفقر خلال عام من 22.5 % إلى 25.5 %، وارتفع الدَّيْن الخارجي من 34 مليار دولار إلى 45 مليار دولار، فيما ارتفع الدين الداخلي من تريليون و120 مليار جنيه مصري العام الماضي إلى تريليون و340 مليار جنيه العام الجاري. هذه الأرقام تدحض ادعاءات الرئيس المصري في خطبته المطولة قبيل انتفاضة الشعب المصري عليه، عندما ادعى تراجع هذا الدين، والحقيقة هي أن صندوق النقد الدولي لم يوافق بعد على منح مصر قرابة خمسة مليارات دولار، وأن المفاوضات بين الطرفين قد امتدت لنحو عام دون نتائج بسبب الأداء المتراجع للاقتصاد الوطني، الذي كان يعول عليه النظام للحصول على مزيد من المليارات من القروض الخارجية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت خفضت فيه وكالة (ستاندرد اند بورز العالمية) التصنيف الائتماني السيادي لمصر من (ب) إلى (ج)، كما تراجع احتياط النقد الأجنبي إلى مستويات مقلقة ليصل إلى أقل من 15 مليار دولار (احتياطي تركيا قرابة 120 مليار دولار). لاشك أن هذا الأداء قاد إلى تراجع صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية خلال عام ليبلغ 7.04 جنيه مقابل الدولار في العام الجاري مقابل 6.06 جنيه للدولار في العام الماضي.
وإذا ما أضيفت أزمة السياحة وتراجعها إلى مستويات مقلقة ببلوغها نسبة إشغال في فنادق القاهرة إلى نحو 20 %، فإن الوضع لا شك أنه يزداد سوءا، خصوصا مع التخبط الكبير لدى إدارة مرسي التي عينت محافظاً لمنطقة الأقصر السياحية تثار عليه كثير من علامات الاستفهام المتعلقة برفضه السياحة أصلا، ما أجبر على تغييره.
أداء النظام خلال عام وجه رسائل في عدة اتجاهات داخلية وخارجية، وتيقن المواطن المصري من أن الرئيس مرسي يحكم باسم حزب الحرية والعدالة وليس باسم الشعب المصري الذي انتخبه في مفاضلة بينه وبين مرشح الفلول أحمد شفيق، وهي مفاضلة لم تكن في صالح الشعب المصري الذي تشتت قواه المعارضة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ما مكن الإخوان من القفز والإطباق على السلطات الثلاث: الرئاسية والتشريعية والتنفيذية، وهذا ما يدفع ثمنه الشعب المصري اليوم، ويتخوف من إعادة سيناريو انقسام المعارضة في استحقاقات مقبلة منها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
أما على مستوى الخارج، فقد تصرف النظام كحزب، ولم يتصرف كحاكم لأكبر دولة عربية تشكل مفصلا في الصراع العربي الصهيوني، وفي استتباب الاستقرار في المنطقة. ولاشك أن سقوط الإخوان المدوي بسبب تسرعهم في الإطباق على السلطات في مصر وتهميش الآخرين سوف ينعكس سلبا على حلفائهم في المنطقة العربية، حلفائهم الذين قدموا لهم الدعم المالي اللازم ليصلوا إلى السلطة، وعلى التنظيمات الفرعية لحزب الإخوان في البلدان العربية التي تعيش حاليا قلقا شديدا على وضع ومستقبل التنظيم الأم في مصر بفقدانه البريق رغم استدعاء الأيديولوجية في خطابات جماعة الإخوان في ميدان رابعة العدوية، والإمعان في تكفير أكثر من 22 مليون مصري وقعوا على عريضة تطالب بتنحية الرئيس والدعوة لانتخابات مبكرة. إصرار الإخوان المسلمين على التمسك بالسلطة قسم مصر بشكل حاد إلى جماعتين ينذر بأن تقتتلا، بينما كان يمكن لمرسي أن يتحول إلى بطل قومي لو أنه تحرك من كرسي الرئاسة ووافق على تنظيم انتخابات مبكرة قد تجلب شخصا آخر من الإخوان، لكنه أحرق الأوراق جميعها، ويبدو أن جماعته ستدفع الثمن باهظا في مصر والمنطقة العربية.. وربما في تركيا أيضا.

* كاتب ومحلل سياسي بحريني

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٧٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٥-٠٧-٢٠١٣)