من أكبر الأمراض تأثيراً على الأوطان «الطائفية» حيث تُعدُ من الأسباب الرئيسة التي تُضعف اللحمة الوطنية وتهدمها وتقوض أركانها مهما كانت صلابة قوتها، فالطائفية نتنة بجميع أشكالها وأصنافها، وهي عامل رئيس في زعزعة الأمن والاستقرار.
في المرحلة الأخيرة شهدت المنطقة تحولات خطيرة وتداعيات كبيرة، وذلك عندما تدخل ما يسمى «حزب الله» اللبناني على خط ثورة الشعب السوري الشقيق ليقف في صف النظام، بل شارك في القتال إلى جانب جيش النظام وارتكب مجازر بشعة، خاصة في مدينة «القصير»، وقد بدا واضحاً ومعروفاً أن هذا الحزب يعمل لصالح إيران وينفذ جميع أوامرها ومخططاتها، وقد سقطت أكذوبة المقاومة التي تستر بها، واكتسب بها تأييد وتعاطف حيز من الشارع العربي والإسلامي باسم مقاومة العدو الصهيوني وشعار تحرير فلسطين، وقد اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الحزب يحمل أجندة طائفية خاصة لا علاقة لها بقضايا وهموم العالم الإسلامي، بل تدور بوصلته مع المصلحة الإيرانية وتحديد التطلعات الصفوية للهيمنة على المنطقة، وقد أثار تدخل هذا الحزب حفيظة المسلمين في جميع العالم الإسلامي بسبب إذكائه لروح الطائفية وتأجيجها بين المسلمين عندما رفع الشعارات الطائفية فوق المساجد، خاصة مسجد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بالقصير، وانكشف المستور وبانت النيات التي يخطط لها هذا الحزب أمام المسلمين والعرب في الشام وغيرها، وأصبح موقفه الآن ضعيفاً جداً داخل لبنان وخارجه وشرعيته بدأت في الاضمحلال بسبب ارتكابه أعمالاً وحشية وإجرامية ضد أهالي القصير العزل، الذين هم مَنْ استقبلوا فلول حزبه عام2006»م» عندما هربوا من القصف الإسرائيلي آنذاك حيث آووا الرجال والنساء والأطفال وفتحوا منازلهم لهم وعالجوا جرحاهم، فكان هذا هو الجزاء الذي يستحقه أهالي القصير من هذا الحزب،وتسببوا في تدمير مدينة القصير، وقتل وتشريد جميع سكانها، حيث يعاني الناجون منهم التشتت والضياع إلى المجهول.
وما نحن بصدده في هذا المقال هو تداعيات هذه الأحداث على المنطقة بشكل عام، وعلى بلادنا بشكل خاص، إذ إن ملف الطائفية بطبيعته تتحكم به عناصر متداخلة ومعقدة قد تصل إلى أن يحل الولاء الطائفي محل روح الإسلام العظيمة المتسامحة، وكذلك تقدم الطائفية نفسها بديلاً عن مشروع الدولة والوطن، وهذا هو أصل الانحراف في بنية المجتمع، وهنا تختل معادلة المصلحة الوطنية وتنسف ثقافة العيش المشترك، ويصبح السلم الاجتماعي داخل دائرة ضيقة تقتصر على الطائفة نفسها، ولا تقف تداعيات الملف الطائفي عند هذا الحد، بل تصل إلى أضعاف الدولة في الداخل والخارج، وهنا نطالب بعدم التهاون مع أي محاولة لتسويق هذا الملف محلياً من قبل أي طرف محاولة منه لاستثمار أحداث المنطقة وتوظيفها داخل بلادنا، وأن هذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وكما هو معلوم لدى الجميع أن وطننا مستهدف من أعداء في الخارج، خاصة دولة إيران، وتحاول أن تذكي الطائفية بيننا كمواطنين من سنة وشيعة وتجند لهذا الغرض شيئاً كثيراً.
نعم بلدنا متعدد المذاهب والمشارب، وهذا التكوين ليس مستجداً أو وليداً اليوم، بل حالة تاريخية قبل تأسيس كيان الدولة، وتوجد لدينا سابقة في تجسيد قيم العيش المشترك ولا تهاون في أي محاولة للمساس بالحالة الوطنية، التي تستند إلى التزام الدولة تجاه مواطنيها مقابل التزام شعبي يقوم على التمسك بمشروع الوطن ومصلحته التي تسبق أي مصلحة ضيقة أخرى، ويجب علينا المحافظة عليه، وأن نعمل بيد واحدة من سنة وشيعة وغيرهما على نبذ الطائفية وعدم إذكائها بيننا، وأنه يجب غرس حب هذا الوطن في نفوس جيلنا الجديد، ونبتعد عن شحنهم بالطائفية ضد بعضهم البعض، لأن خسارة طوبة واحدة من هذا الوطن هي خسارة على الجميع مهما كان المذهب أو المعتقد، كذلك اختلال الأمن في وطننا لا سمح الله هو ضياع للجميع، وليس لفئة بعينها فقط، فلذلك يجب أن يتنبه الغلاة والمتشددون باختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم المذهبية والفكرية أننا أبناء وطن واحد ننبذ الغلو والتطرف بجميع أشكاله وألوانه، والوسطية والاعتدال في كل شيء هي المطلب الأساسي في جميع تعاملاتنا وحواراتنا كما وصفنا الله جل جلاله «وجعلناكم أمة وسطاً».
الاختلاف سنة كونية سنَّها الله تعالى منذ أن خلق الخلق بقوله «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» هود آية 118، فلذلك لابد أن نقتنع بوجود الاختلاف سواء في العقيدة أو الرأي، والأهم ألا يصل هذا الاختلاف إلى حد الخلاف، فهناك العقلاء والمدركون والغيورون على هذا الوطن من مختلف المذاهب، ويجب أن نبتعد عن التعميم على الجميع بأنهم غلاة وغير وطنيين، ومن هنا تأتي الدعوة إلى صفاء النية بيننا، ونبذ الأحقاد والمعتقدات التي تأجج وتذكي روح الطائفية بيننا كمواطنين، وأن نتذكر أننا نعيش تحت سقف واحد، وأن نعزز التعايش السلمي الخالي من الطائفية، ولنا في محافظة الأحساء أنموذجاً فريداً عبر التاريخ في التعايش السلمي بين المذاهب المتنوعة، لذلك يجب أن نكثف الجهود فيما بيننا لغرس مثل هذا النموذج الفريد في نفوس أجيالنا حتى نتمكن من غرس وحب الوطن فيهم، وتشويه الطائفية أمامهم، وأنها خطرة عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، ولنا فيما يدور من حولنا من أحداث طائفية درس بليغ في الابتعاد عن الطائفية ومشكلاتها التي لا تنتهي أبداً، ومهما كانت نتائج التأجيج الطائفي فسلبياته أكثر من إيجابياته، وهو علامة على التأخر في الفكر والثقافة، وعن طريقه قد يتمكن الأعداء من وصولهم إلى أهدافهم ومبتغاهم دون وعي وإدراك من بعض العامة، الذين هم الأداة الكبيرة في تأجيج الطائفية فيما بيننا.
وختماً يجب على المكونات الوطنية جميعها أن تنظر وتعي في مخاطر التأجيج الطائفي، وأنه لن يجر علينا سوى الهلاك والدمار وزعزعة الأمن والاستقرار، فنحن أبناء وطن واحد، وهمنا وهدفنا واحد، فلا مزايدة على الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٨٠) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٦-٠٧-٢٠١٣)