انشغلنا كثيراً بالآخر، سواء كان هذا الآخر داخلياً أم خارجياً، وأهملنا أنفسنا، وأضَعْنا فرصاً كثيرةً، كان بالإمكان أن تنقلنا بعض تلك الفرص من عالم إلى عالم آخر أرقى وأعلى.
جعلنا كل تركيزنا في هذه الفترة على الآخر، فهؤلاء لديهم ثورة، وأولئك لديهم حرب داخلية بين نظام وطوائف، فما كان منا إلاّ أن نخطّئ هذا ونؤيد ذاك، بل تعدينا ذلك، فأصبحنا نكفّر هذا ونتبرأ من ذاك، ننحاز إلى جانب دون آخر، وفق تصنيفات صنعناها نحن واعتقدنا بها وفي نهاية المطاف قدّسناها.
نحترق من داخلنا، ونشتاط غضباً ونسخط ونشتم، ونرغي ونزبد تجاوباً مع كل الأحداث المحيطة التي قد لا تخصنا بشكل مباشر، بل أكثر من ذلك، ننصّب أنفسنا أوصياء على البشر، وبعضنا يتألّى على الله، ويجعل من نفسه حاجباً للجنة لا يدخلها إلا من ارتضاه، أرأيتم جنوناً كهذا؟.
المضحك في الأمر أننا انشغلنا بأناس لا يدرون عنا، نقتتل من أجلهم ونقطع بعضنا الذي يخالفنا من أجلهم والمشكلة أنهم لا يعلمون عنا، وإن علموا لا يقدّرون تلك التضحيات التي بُذلتْ من أجلهم. انقسمنا حتى داخل البيت الواحد، تجدنا أحزاباً وطوائف وأحلافاً، فإن لم نجد ما نختلف عليه بحثنا عن أي طائفتين مختلفين في مكان ما من هذا العالم، وانقسمنا بينهما، بين مؤيد ومعارض. ألا نجد أحداً ينصحنا ويقول: «اشتغلوا بأنفسكم، أفضل من أن تبقوا في مكانكم، والعالم يتقدم من حولكم، فإن ذلك أنفع لكم»!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٨٣) صفحة (١٨) بتاريخ (٠٩-٠٧-٢٠١٣)