اعتادت حكومة المملكة أن تقدِّم، مطلع كل رمضان، هدايا سنوية لشريحة من الناس، هم نزلاء السجون. وليس من هدية يتلقّاها نزيلُ سجن أغلى من عودته إلى أسرته وأولاده، خاصة في شهر كريم مثل شهر رمضان. وكثيرٌ من السعوديين يعرفون مصطلح «العفو» الذي يتزامن وهذه الأيام سنوياً، وهو مصطلح بهجة للنزلاء ولذويهم، ويكاد يكون مصطلح «لم الشمل» لمئات الأسر التي تورّط بعض أفرادها في جرائم أو جُنح انتهت بهم إلى السجن.
ولأن المصطلح درج على نحو معتاد، فإن تطبيقاته السنوية راعت، أيضاً، كثيراً من الضوابط والشروط المتصلة بالحقوق، حقوق النزلاء وحقوق المتضررين من وقوع الجريمة، وحقوق المجتمع، وحقوق النظام. ولذلك؛ فإن العفو يقتصر على نُزلاء غير محكومين بقضايا كُبرى، مثل جرائم القتل والسرقات الكبيرة والسطو والعنف الخطر. فهؤلاء لا يُمكن أن يشملهم عفو إذا تضمّن العفو إضاعة حق من الحقوق، أو تعطيلاً لحدّ من الحدود الشرعية.
كما يُراعي العفو السيرة التي يبنيها النزيل لنفسه وهو داخل السجن، إذ لا يمكن العفو عن نزيل رسم لنفسه صورة الإنسان العدواني المشاغب مع النزلاء الآخرين، ومع نظام السجن. العفو يشمل الذين أثبتوا أن وجودهم في السجن كان وسيلة إصلاح لهم استفادوا منها على وجه يُشير إلى أنهم مستعدون لأن يكونوا أعضاء صالحين بعد مغادرتهم السجن. وهو ما يؤكد وجود هدف نبيل من جعل العفو غاية يسعى إليها نزلاء السجون الذين يريدون العودة إلى الحياة الطبيعية خارج الأسوار، حياة مسالمة، حياة كريمة، حياة فيها الأسرة والأولاد والأقارب والأصدقاء والسوق والعمل والترفيه والتنقل والسفر، إلى آخر ما يتمتع به الناس وهم أحرار مطلقو السراح.
ولا يُدرك هذا المستوى من الحرية أحد مثل الذين ساءت حياتهم، وساءت أخطاؤهم حتى وصلوا إلى ما وراء القضبان في نظام سجن سالب للحرية والراحة والحياة الاجتماعية.
أوجدت حكومة المملكة عادة العفو السنوية لتؤكد أن الهدف الأساسي هو الإصلاح، وإتاحة الفرص أمام من أخطأ ليتدارك، ويحسّن سلوكه، ويقدم إشارات على استعداده للعودة إلى الحياة الطبيعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٨٥) صفحة (١٧) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٣)